لم تكن حادثة الطيونة عابرة في تاريخ لبنان وستبقى ذيولها لفترة طويلة، ولن تُطوى كأنّ شيئاً لم يحدث، فإلى اتهام «الثنائي الشيعي» حزب «القوات اللبنانية» ورئيسه سمير جعجع بهذه «المجزرة» كما يصفها، وإصراره على محاسبته، يربط «الثنائي» هذه الحادثة أيضاً بالتحقيق الجاري في جريمة انفجار مرفأ بيروت، وتدلّ تصريحات المسؤولين في «حزب الله» تحديداً الى ذلك، إذ يعتبر «الحزب» أنّ طريقة عمل المحقق العدلي في جريمة المرفأ طارق بيطار أدّت الى «الخميس الاسود». في المقابل، أعادت هذه الحادثة سلاح «حزب الله» الى الواجهة، وأجّجت العصب الطائفي والمخاوف والهواجس لدى مختلف البيئات اللبنانية من السلاح غير الشرعي وما يجرّ إليه.

لكن على رغم ذلك، يؤكّد «الثنائي الشيعي» تمسُّكه بعدم حصول أي مواجهة أو إشكال مع أي طائفة أخرى، خصوصاً المسيحيين. وتقول مصادر من حركة «أمل»: «نحن مع المسار القضائي في هذه القضية، وحتى لو سقط لنا مئة قتيل لن ندخل في مشكلة أو نهجم أو نقاتل، فلا إبن عين الرمانة عدونا ولا أي شخص آخر في لبنان، وقرارنا عدم الاقتتال». لذلك، وفور ورود خبر إثر حادثة الطيونة، عن إطلاق قذائف على بلدة شليفا (المسيحية) بقاعاً، سارعت الحركة الى إيفاد مسؤول رفيع الى المنطقة، حيث اجتمع بالعشائر، مشدّداً على عدم استهداف أي منطقة أو فئة أو طائفة، ومنع أي إشكال آخر، يؤدّي الى تفلّت الأمور.

 

كذلك يبدو أنّ جميع الأطراف، حتى الآن، يحاولون نزع فتيل أي مواجهة طائفية أو «ميني حرب أهلية»، فكلّ طرف يغرق في الوحول السياسية محاولاً الخروج منها بأقلّ ضرر ممكن. كذلك، إنّ السلاح الفعلي غير موجود الّا لدى «حزب الله»، ولا نية خارجية بدعم أو تسليح أي أطراف في لبنان لخوض حرب أهلية، وفق ما تشرح مصادر ديبلوماسية، وتستند الى ذلك بمسارعة المجتمع الدولي الى مساعدة الشعب اللبناني لكي يتمكّن من الصمود في ظلّ الأزمة الخانقة المتعدّدة الأضلع، منعاً لأي فوضى أو أحداث أمنية، فضلاً عن إعلان كلّ الدول الغربية التعاون والتعامل مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بمعزل عن شكلها وهوية وزرائها السياسية، خصوصاً أنّ الولايات المتحدة الاميركية تعمل على الحؤول دون دخول لبنان في الفوضى الشاملة، ويتجلّى ذلك بدعمها للجيش اللبناني، فضلاً عن مشاريع عدة تنموية واجتماعية تقدّمها عبر وكالاتها، والأهم سعيها الى حلّ قضية المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، وإعفاء لبنان من أي عقوبات، خصوصاً من «قانون قيصر» جراء استجراره الغاز والكهرباء عبر سوريا. هذا في وقتٍ تشهد المنطقة محادثات ومفاوضات بين المتنازعين، وتنتهج إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن سياسة التبريد، ولم تختمر بعد المفاوضات النووية مع إيران وتكتمل نتائجها وانعكاساتها، وبالتالي يُفضّل ترك الوضع مجمّداً في المنطقة في هذه المرحلة.

 

كذلك لا تأتي العقوبات الاميركية الاخيرة على النائب جميل السيد ورجلي الأعمال جهاد العرب وداني الخوري لـ»صبّ الزيت على النار» في لبنان، بل إنّها عقوبات تحذيرية ورسالة الى الحكومة للإسراع في الإصلاحات ومعالجة موضوع الفساد، وصولاً الى نيل الدعم الدولي المطلوب، لكي تتمكّن الدولة من النهوض، بحسب المصادر نفسها. بالتوازي يصرّ المجتمع الدولي على إجراء الانتخابات النيابية وسيلةً للتغيير، ولذلك من الصعب على أي طرف محلي، حتى لو كان لا يرغب في إجراء هذه الانتخابات، المجاهرة بذلك، أو محاولة منعها. ولا يفوّت أي زائر دولي للبنان أن يشدّد خلال لقاءاته مع المسؤولين على ضرورة إجراء هذه الانتخابات.

 

لكن يبدو أنّ كلّما اقتربت الانتخابات سيشهد البلد تأزماً أكثر، خصوصاً في الساحة المسيحية أو انطلاقاً منها، بحسب مصادر سياسية. فالقانون الحالي القائم على النسبية والصوت التفضيلي في القضاء، جعل المنافسة غير وطنية بل داخل الطوائف و»الأحلاف» في الأقضية المفروزة بغالبيتها طائفياً، وبالتالي إنّ التنافس الانتخابي في المناطق ذات الأكثرية المسيحية غالب على التنافس في بقية المناطق، حيث لا أزمة حيال «من يسبق من»، بل هناك فرصة للجميع لـ»يجرّب حظه»، إذ يبدو أنّ «الثنائي الشيعي» «مرتاح على وضعه» انتخابياً، خصوصاً مع وجوده الى جانب جمهوره وبيئته خلال الأزمة الراهنة ومدّها بالدعم اللازم للصمود، ولا تظهر حتى الآن أي منافسة علنية جدّية ووازنة لـ»أمل» و»حزب الله». كذلك في البيئة الدرزية لا جديد بارزاً على ساحة اللاعبين السياسيين، إضافةً الى اجتماع القادة السياسيين الدروز واتفاقهم على «وحدة الطائفة ومصلحتها» ومنع أي إشكال أو فتنة داخلية.

 

وفي الشارع السنّي، فلا معركة سياسية ضارية بين مكوناته السياسية ظاهرة حتى الآن، بل تململ وسط الأزمة وشبه انكفاء الرئيس سعد الحريري وتيار «المستقبل»، وبالتالي إنّ المعركة الانتخابية في المناطق ذات الغالبية السنّية قد تكون «عادية» بمعزل عن الرابح أو الخاسر. كذلك لا يبدو أنّ «المستقبل» في وارد التصعيد بوجه «حزب الله» صوناً لـ»السلم الأهلي»، وستبقى مواقفه مضبوطة ضمن السقف المعتمد منذ سنوات. أمّا في الشارع المسيحي، فيبدو أنّ المعركة الانتخابية انطلقت بزخم أكثر من المناطق الأخرى، وبدأت الصولات والجولات على بلدان الاغتراب لحضّ المنتشرين على الانتخاب، كذلك بدأ جس النبض على الأرض واللقاءات والتحضيرات للانتخاب في لبنان. وفيما ينشط كثيرون تحت لواء ما يُسمّى «المجتمع المدني» ومن بينهم «خارجون جدد» من رحم «الأحزاب» وكتلها النيابية، تبقى المبارزة الأقوى بين حزب «القوات اللبنانية» و»التيار الوطني الحر»، وذلك لأنّها مرتبطة باستحقاق رئاسة الجمهورية، فضلاً عن أنّ أي تغيير معوّل عليه ينطلق من هذه الساحة، فتراجع «التيار» انتخابياً على سبيل المثال قد يقلب الأكثرية النيابية.

 

إنطلاقاً من ذلك، تبدي أوساط مسؤولة، تخوّفها من اشتعال الساحة المسيحية أكثر مع اقتراب الانتخابات، وهذا لا يعني تأجيج الخطاب السياسي والطائفي فقط أو إشكالات على الأرض، بل قد تُفتعل إشكالات مع بيئات أخرى لشدّ العصب الطائفي، أو قد تُعرقل ملفات أو تُختلق أخرى كضغط غير مباشر يؤدّي الى تأجيل الانتخابات بما يتلاءم مع بعض الأطراف، أو محاولة ذلك أقلّه.