منذ ان تشكّلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي والضربات تتلاحق على رأسها، الواحدة تلو الأخرى، حتى أصيبت بالدوار السياسي المبكر وارتفع «ضغطها» على وقع الانتكاسات التي تلاحقها.

 

وبينما كان رئيس الجمهورية ميشال عون وميقاتي يحاولان معالجة «عوارض» أزمة القاضي طارق البيطار التي ادّت الى شلل الحكومة وتعليق اجتماعاتها، باغتتهما ضربة أخرى من حيث لا يحتسبان، وتمثلت في اندلاع أزمة ديبلوماسية مع دول الخليج، بعد المواقف التي أطلقها وزير الإعلام جورج قرداحي حول» الحرب العبثية» في اليمن، واعتباره انّ السعودية والإمارات تشنان عدواناً، ما أدّى إلى ردود حادّة من الدول الخليجية والأوساط اللبنانية المؤيّدة لها، وصل بعضها الى حدّ المطالبة باستقالة قرداحي.. وإلّا إقالته.

 

ومع انّ قرداحي أدلى بتصاريحه في 5 آب الماضي، أي قبل تعيينه وزيراً، ومع انّ ميقاتي سارع الى استنكارها والتبرؤ منها، مؤكّداً انّها لا تعكس سياسة الحكومة، الّا انّ ذلك لم يخفف من حدّة الحملة على قرداحي ومن وطأة الضغوط على الدولة، لتدفيع وزير الإعلام ثمن رأيه، بمفعول رجعي، تحت شعار انّه عرّض المصالح اللبنانية العليا للخطر، وانّ من الواجب «التضحية» به لحماية تلك المصالح ومنع حصول تدهور إضافي في العلاقة بين لبنان ومحيطه العربي.

 

وفي المقابل، دافعت شريحة من القوى السياسية عن قرداحي، على قاعدة انّه يتعرّض الى نوع من الإرهاب الفكري والسياسي لمصادرة حقه في حرية التعبير، لاسيما انّ المواقف التي يُحاسَب عليها لا تُلزم الحكومة الحالية، كونه اتخذها بصفته الشخصية قبل أن تُناط به وزارة الاعلام، «وإلّا، إذا كان المطلوب فتح أرشيف كل وزير أو متعاطٍ في الشأن العام ومراجعة أقواله خلال المراحل التي سبقت تولّيه المسؤولية، فالأرجح انّ كثيرين لن ينجوا من هذا الاختبار»، كما يعتبر المدافعون عن قرداحي.

 

وضمن سياق» الفلفشة» في الأرشيف والردّ على الهجوم الذي يتعرّض له قرداحي من قِبل معارضي خياراته السياسية، تداول ناشطون داعمون له مقطع فيديو قديم لبشير الجميل، يتطرق فيه الى البدو والصحراء بنبرة حادّة، «وذلك لإيصال رسالة إلى مهاجمي الوزير فحواها انّ من كان منزله من زجاج لا يرشق الآخرين بالحجارة».

 

وبينما يدفع البعض في اتجاه إقالة قرداحي لاحتواء الغضب الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً، تستبعد اوساط سياسية مطلعة هذا الاحتمال، لأنّ من شأنه ان يعالج مشكلة بمشكلة أكبر. لافتة إلى انّ «توازنات الحكومة والواقع السياسي لا تتحمّل إقالة وزير الإعلام المستظل بتغطية رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية وبدعم «حزب الله» الذي لن يقبل الاستفراد به ومعاقبته على رأي يتصل باليمن، الذي يعني الكثير للحزب وجدانياً واستراتيجياً».

 

ومن هنا، فإنّ أي قرار بإقالة قرداحي سيفرز تداعيات متدحرجة قد تفضي في نهاية المطاف إلى سقوط الحكومة ككل. وبالتالي، لا خيار امام عون وميقاتي سوى محاولة التوفيق بين مراعاة خاطر الخليج وتفادي الوقوع في مأزق حكومي جديد.

 

والمعترضون على إقالة قرداحي أو دفعه الى الاستقالة، يلفتون الى انّ تجربة إزاحة وزير الخارجية السابق شربل وهبة، عقب ما أدلى به من كلام عن البدو، لم تنفع في تحسين العلاقة مع السعودية، ولم تخفف من مقاربتها السلبية للملف اللبناني. فما الداعي لتكرار سيناريو مجرّب لم يعطِ اي نتيجة إيجابية؟ يتساءل هؤلاء. علماً انّ هناك من نقل عن قرداحي قوله انّه وعلى رغم اقتناعه بعدم ارتكابه اي ذنب، فهو لا يمانع في الاستقالة إذا كان من شأنها ان تفتح أبواب الرياض أمام ميقاتي وتشجّع المملكة على مساعدة لبنان اقتصادياً ومالياً.

 

وبينما ظن البعض انّ الحسابات الرئاسية لرئيس «المردة» سليمان فرنجية ستقوده الى النأي بالنفس عن قضية قرداحي، إذا به يغرّد مدافعاً عنه من دون ان يهاجم الرياض وأبو ظبي، مشيراً الى انّ «لكلّ فرد رأيه السياسي.

 

وهذا بلد التنوّع والحرّية. أما المحاسبة فتكون حين يتولّى الإنسان مسؤولية، وهذا ما حدث مع قرداحي الذي عبّر عن رأيه وقراءته للأحداث حين كان خارج المسؤولية، والتزم لغة الدولة رسمياً حين تولّى المسؤولية مع احترام كافة الدول العربية وخاصة السعودية والإمارات».

 

وإذا كان هناك من يفترض انّ تغريدة فرنجية لا تخدم طموحه الرئاسي، فإنّ المتحمسين له يجزمون بأنّ الاصطياد في الماء العكر لن يفيد هواة النوع، مشيرين الى انّ زائر مكتب فرنجية في بنشعي سيلاحظ وجود صورتين على الحائط، واحدة تجمع سليمان فرنجية الجد مع الرئيس السوري حافظ الأسد وأخرى تجمعه مع الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز، «وحتى الملك الحالي سلمان كان صديقاً للشهيد طوني فرنجية. ولذلك لا مكان للمزايدين والمحرّضين في هذه المعادلة»، كما يؤكّد هؤلاء.

 

ويضيفون: «من المعروف انّ رئيس «المردة» هو إلى جانب المقاومة وسوريا على مستوى الخيارات الاستراتيجية، بينما تتموضع الرياض في موقع آخر، لكن ذلك لا يفسد في الود قضية مع السعودية، ولا يمنع ان يكون التباين في المقاربة السياسية مبنياً على أساس الإحترام المتبادل».