وبالرغم من كل ذلك لا يزال الوقت متاحا لرأب الصدع والذهاب إلى تفاهمات من شأنها تجنيب البلاد والعباد المزيد من الإحتقان السياسي والطائفي والمذهبي والرهان كبير على القيادات بتجاوز المرحلة بتصميم وعزم ومسؤولية ولتذهب كل الطاقات نحو معالجة الأزمات المعيشية بما ينسجم مع تطلعات وطموح الشعب اللبناني الذي يتوق إلى الحلول الجذرية لمشاكله الاقتصادية والمعيشية بالدرجة الأولى.
 

إنتهى خطاب الأمين العام لحزب الله مساء أمس إلى جملة مواقف أبرزها تأكيده على السلم الأهلي ونبذ الإصطفافات الطائفية والمذهبية وعلى التلاقي الاسلامي المسيحي لنبذ كل أشكال التعصب والاحتقان والاقتتال. وبالرغم من الأحداث الدامية يوم الخميس الفائت استطاع نصر الله امتصاص غضب البيئة في إطلاق الخطاب العالي السقف نسبة إلى خطابات داخلية سابقة ضد حزب القوات اللبنانية ورئيسه سمير جعجع في خطوة غير مسبوقة في التعاطي السياسي منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان.

 

 

 حزب الله وحزب القوات اللبنانية حزبان لبنانيان يشكلان امتدادات  شعبية كبيرة على مساحة لبنان، وعلى مستوى الجغرافيا السياسية اللبنانية، وبالتالي فلا يمكن لأي منهم اللجوء إلى إلغاء الآخر، وبالرغم من كل ما حصل فإن الرهان كبير على قيادات الحزبين على الخروج الهاديء من الأزمة المستجدة والذهاب إلى الإحتكام إلى الأجهزة والمؤسسات والقضاء طالما يؤمن الطرفان بهذه الدولة ومؤسساتها وقضائها النزيه.

 

 

إن الخطاب برفض الحرب الأهلية ورفض الفتنة واحترام التعدد واستيعاب آثار ما حصل في الطيونة، كان يجب أن يُستتبع بلغةٍ أكثر هدوءا وأكثر انسجاما مع خطاب السلم الأهلي، بعيدا عن لغة العدد والعديد والوعيد والإستعلاء، وإطلاق تهديدات ومصطلحات لا تنسجم مع روح السلم الأهلي ونبذ الفتنة.

 

 

إقرأ أيضا : إرتياب غير مشروع!!

 

 

 

إن الذهاب إلى التلويح بالاصطفافات العسكرية والتهويل بالعدة والعديد والإنجازات العسكرية ولغة التحدي لا يخدم بأي شكل من الأشكال روح التهدئة والاحتكام إلى العقل ونبذ الفتنة.

 

 

عدّد السيد نصر الله في خطابه الأخير جملة من مآخذه على حزب القوات اللبنانية، وذهب إلى ما يخص حزب القوات في الشارع المسيحي من مواقف على صلة بالحزب المنافس للقوات وهو التيار الوطني الحر، ومن الطبيعي أن يذهب حزب القوات إلى المنافسة في بيئته كمنافسة سياسية يرفض فيها تحالف مار مخايل أو غيره وشأنه شأن أي مكون آخر يرفض أو يوافق، ولكن السيد نصر الله في حديثه عن حزب القوات لم يجد ما يتحدث به عن مخالفات على صلة بملفات الفساد، ولم يجد لدى حزب القوات أي منقصة ذم  طوال مشاركتهم في الحكومات السابقة، فليس لدى حزب القوات ما يمكن أن يطاله النقد في أي ملف من الملفات المليئة برائحة الفساد والسمسرات والتناقضات وهي كلها على صلة بحلفاء حزب الله بمختلف مكوناتهم، بل طالما كانت القوات اللبنانية في الصف الأول في رفض مشاريع السمسرات والصفقات وكل ما له صلة بالفساد الذي أصبح محميا بالتحالفات والمصالح الاستراتيجية، وهذا الفساد هو نفسه الذي ندفع بسببه اليوم انهيارا شاملا وعلى كل صعيد، ولم يستطع هذا كل العدد والعديد والوعيد أن يرفع عن لبنان كاهل الفساد والإفساد بل حمى السيد نصر الله كل ذلك بتحالفاته وحماها أكثر في خطابه مئة الف مرة أو يزيدون.

 

 

بين الفئة القليلة التي حاربت الفساد وواجهت أحزاب الفساد والإفساد والصفقات والسمسرات والفئة الكثيرة التي حمت وما زالت تحمي هذا الفساد تحت شعار الاستقرار والمقاومة والسلم الأهلي هي بلا شك لا قيمة لها أمام انهيار دولة وشعب بأكمله.

 

 

  ربما كنا أمام خطابين للأمين العام لحزب الله خطاب عام وخطاب خاص بالبيئة الشيعية لامتصاص الغضب، لكن هذا الغضب كان بحاجة إلى خطاب بعيد عن العصبية وإذا كانت البيئة جاهزة للتهور كما حصل فهي بحاجة لخطاب أكثر هدوءا بعيدا عن لغة التحدي والمغالاة.

 

 

وبالرغم من كل ذلك لا يزال الوقت متاحا لرأب الصدع والذهاب إلى تفاهمات من شأنها تجنيب البلاد والعباد المزيد من الإحتقان السياسي والطائفي والمذهبي والرهان كبير على القيادات بتجاوز المرحلة بتصميم وعزم ومسؤولية ولتذهب كل الطاقات نحو معالجة الأزمات المعيشية بما ينسجم مع تطلعات وطموح الشعب اللبناني الذي يتوق إلى الحلول الجذرية لمشاكله الاقتصادية والمعيشية بالدرجة الأولى.