«إذا ما ظالم استحسن الظلم مذهبًا

ولَجّ عتوّا في قبيح اكتسابه

فكِله إلى صرف الليالي فإنها

ستُبدي له ما لم يكن في حسابه»

(الشافعي)

خرجت إحدى الصحف الصفراء، وهي الناطقة باسم «حزب الله»، وأحياناً تزايد حتى على الحزب في الغِي والغلواء، لِتُطلق تشبيه تحقيق المرفأ مع القاضي طارق البيطار، بتحقيق ديتلف ميليس بجريمة 14 شباط.

 

 

قد يستغرب البعض التشبيه، لكن حلقة الوصل هي نفسها، أي المجرم الذي نفّذ الجريمتين. صحيح أنّ تحقيق ديتلف ميليس وصل إلى استنتاجات من خلال سيناريو خيالي، لكنه مَبني على تحليل منطقي، وهو أنّ خلاف رفيق الحريري مع بشار الأسد حول مسار الأمور في لبنان، تحوّل بسرعة عداوة وحقداً لدى بشار تجاه الحريري. وبما أنّ تاريخ النظام هناك يؤكد ذهابه الى القتل والتدمير لحل الخلافات، فإنّ الجريمة والسيناريو كانا حاضرين في ذهن ميليس. بالطبع، فإنّ التحليل المنطقي لا يُفضي بالضرورة الى استنتاجات دقيقة، فالعبرة هي في الانطلاق من الوقائع لا من الفرضية.


هنا، عليّ أن أذكر واقعة حدثت، لكوني كنتُ مشاركاً فيها. في آذار عام 2006، وفي مقدمة للحوار الوطني، ذهبنا كوفد لزيارة حسن نصرالله. كان إصرار رئيس الكتلة يومها بهيج طبارة على أن أكون في عداد الوفد، وذلك لكوني من النواب الذين استمروا في مهاجمة «حزب الله»، على رغم الاتفاق الرباعي الذي اعتبرته، منذ البداية، نوعاً من الخيانة لثورة الأرز. المهم أنّ اللقاء حصل، وكان في عداد الوفد 7 من نواب «المستقبل». ولكي أكون دقيقاً، فقد قال نصرالله «بالنسبة الى المحكمة الدولية، فأنا اتفقت مع الاستاذ بهيج (طبارة) على السير بها لأنها ستخفف من الهواجس، واتفقنا على بعض الضوابط التي قد تمنع جنوحها!» يعني أنه طالما بقي تحقيق ميليس يسير في اتهام منظومة سوريا في لبنان، فلا بأس من أن يذهب الجميع بهذه الفرضية إلى محكمة دولية، لأنها بطبيعة الحال ستفشل في الوصول إلى الحقيقة. ما قاله نصرالله أيضاً، وهو يتهكّم ويسخر من المخابرات السورية «إن المخابرات السورية غير قادرة على إنجاز عملية بهذه الدقة ممّا يستبعد أنهم قاموا بها»، ثم أرفَقَ ذلك بنادرة حول اغتيال إيلي حبيقة، لن أُسهب في سردها. بعدها قال: «لنفرض، بنسبة خمس وتسعين في المئة، أن سوريا اغتالت الحريري، لكن أنتم جماعة الرابع عشر من آذار لم تتركوا مجالاً للشك، لنفرض أن الخمسة في المئة هي براءتها، فماذا ستفعلون؟». فقلت له: «هذا يعني أنكم تفترضون أن سوريا قامت بالعملية بنسبة خمس وتسعين في المئة، فمتى ستقاطعونها وعند أي نسبة، طالما أنكم تعتبرون خسارة الشهيد تعنيكم؟». لم يُجب، ثم أردف: «أنتم الآن تستندون إلى دعم أميركا، لكن ستندمون عندما تنجز أميركا اتفاقاً مع الأسد، فماذا ستفعلون؟».

 

 

 

فقلت عندها: «قد يحصل ذلك، فأميركا لم تَف يوماً بوعودها، لكن أنتم تقولون بالعداء المطلق معها، فهي الشيطان الأكبر، وعندما يجتمع الأسد معهم ستكونون على طاولة المفاوضات، فماذا ستفعلون؟» لم يعجبه كلامي بالطبع، ومن ثم أخذ الحديث إلى مجالات أخرى، لم تخل من بعض الفكاهات...
لم يهتم نصرالله يومها لمسار التحقيق طالما أنه بعيد عن مقر إقامته، لا بل ان «أصحاب الدم»، كما سمّاهم، أي عائلة الشهيد كانوا على وفاق مع الحزب. لكن كل تلك الأمور انقلبت رأساً على عقب في يوم من أيام حزيران 2006، عندما وصلت المعطيات الأولية حول قضية الاتصالات التي كان بطلها الوحيد وسام عيد، من دون «جَميلة» ميليس. تواصلت قيادة «المستقبل» مع قيادة «حزب الله»، وكان اقتناع «المستقبل» أن المسؤول عن العملية اخترقَ «حزب الله» لحساب المخابرات السورية! فكان من الواجب تحذيرهم من هذا الاختراق.


تولى القضية، كالعادة، وفيق صفا، على أن يُطلع الحزب «المستقبل» على نتائج التحقيق. فجأة، انطلقت الحرب في تموز، وخرب ما خرب وسقط من الضحايا ما سقط. كان رأيي، الذي استهجَنَته حتى قيادة تيار «المستقبل»، أنّ أحد أسباب الحرب التي شنّها «حزب الله» كان لتغطية قصة الحريري. صحيح أن نصرالله قال: «لو كنتُ أعلم؟»، وأظنه كان على الأقل في هذا صادقاً، لكن لو نجح اختطاف الجنود من دون حرب، لكان «حزب الله» راكَمَ التأييد العربي من كل حدب وصوب، ولكان أخرسَ الجميع. لكن الحرب أيضاً، ورغم أنها أدت إلى ما أدت إليه، فقد حَوّلها، وربما بمساعدة إسرائيل، إلى انتصار جعلَ من هالة نصرالله وحزبه من المعصومين. وقد جاهَر البعض من الموتورين يومها، بأنه لو كان «حزب الله» اغتال رفيق الحريري فهذا يعني أنّ الحزب كان له سبب وجيه!

 

من بعدها، وبما أننا لم نفهم نحن الدرس من الحرب، وذهبت الحكومة إلى طلب إنشاء المحكمة الدولية، استقال الوزراء الشيعة في محاولة لإقالة الحكومة، وعندما لم يكن ذلك كافياً، ذهب الحزب إلى تعطيل كل شيء واحتلال الوسط التجاري. ما يعني، ببساطة، أنّ الحزب أصبح ضد المحكمة الدولية عندما بدأت الخيوط تصل الى أحد قادته، وذهب إلى تدمير البلد في الحرب، ومن ثم ضرب كل شيء، في سبيل تغطية الجريمة. وكل ما حصل حتى اليوم من تدهور مُرعب في حالنا، ما هو إلا نتيجة للمحاولة المستمرة لتغطية جريمة بأخرى أفظع منها.


جريمة المرفأ مثلٌ ثانٍ! فقد كان نصرالله في أحد خطاباته الكثيرة يطالب بتحقيق لبناني، فحصل عليه. ووصلت به الأمور إلى حضّ القضاء والسلطة على كشف الفاعلين في أحد الخطابات الأخرى. لكن الأمر تغيّر فجأة، عندما صار اسم وفيق صفا قيد التداول، وما زال لغز الجريمة عالقاً عند اسم مَن نَصَح، وربما حذّر، رئيس الحكومة حسان دياب من النزول إلى المرفأ. قد تكون المصادفة القاتلة هي ما فجر النيترات بعد 7 سنوات من الركون، لكن كونه حصل بعد أيام معدودة من اكتشافها، أو بالأحرى كشفها جعل الأمر في دائرة الشك! صورة الحدّادين الذين كانوا يقومون «بتلحيم» باب العنبر، ذكّرتني مباشرة بشريط أبي عدس الذي ظهر بعد ساعات من جريمة 14 شباط.

 

إليكم إذاً هذا السيناريو، الذي قد يكون في مَتاهة «لو كنتُ أعلم». اكتشف العنبر ومحتواه، فقرر الحزب تغطية القضية بإحراقه، وهو أسلوب معروف في تغطية الأعمال القذرة. لم يظن مُفتعل الحريق أنّ المسألة ستؤدي إلى انفجار، وذلك لعلمه أنّ النيترات تحتاج الى صاعق شديد الانفجار لتفعيل العملية الكيميائية.


خطأ في التقدير، فكانت الجريمة أكبر بكثير من إمكانية طمسها ووضعها في خانة أبي عدس، أو إسرائيل، أو غيرهما. هناك سيناريوهات عدة، وكلها تستند إلى تَتابع منطقي، لكن الحقيقة الثابتة هي أن تهديد القاضي البيطار أتى اليوم لمجرد أنه «دَقّ» بالحزب! قد يقول البعض إنّ القاضي محسوب على جهة سياسية معينة، لكن، وحتى في متاهة اللغط الطائفي حول استدعاء رئيس حكومة سابق كمدعى عليه، فإنّ هذه الجهة الداعمة له راضية عمّا يقوم به، وانه لا يهمها اتهام الحزب، وربما تسعى إلى ذلك، أو أن القاضي البيطار يتكلم ويعمل فقط باسم العدالة والقانون، ولا يهمه رأي مرجعيته الافتراضية، وهذه قمة النزاهة. هنا ما علينا إلّا الدفع قُدماً لحمايته حتى إصدار المذكرات، معززة بالتهم المرفقة بالأدلة. عدا ذلك، فرأيي غير الموضوعي هو أنه لو راجَعنا سجل كل الجرائم الكبرى في لبنان، على الأقل منذ ثلاثة عقود، لكان المطلوب في تلك الجرائم واحد.