إذا كان حلفاء طهران ودمشق قد حسموا المعركة الحالية لمصلحتهم في لبنان، فهذا يعني أنّ انتخابات الربيع- إذا جرت- ستكون «أهلية بمحلية» سياسياً. فـ»أبناء الخطّ الواحد» سيتنافسون وحدهم على الغالبية الساحقة من المقاعد ويتقاسمونها. ولذلك، حتى الآن، لا تُسمَع إلّا أصداء «قرقعة السلاح» بين الرفيقين - اللدودين، من داخل «الخطّ»، رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فما قصّة هذا الخلاف الذي لا ينتهي؟   ليس معروفاً مَن يريد الثأر من الآخر؟ عون أم بري، ولماذا؟ ولكن، واضح أنّ 5 سنوات من عهد عون، وقبلها سنوات من محاولات «التعايش» بينهما باءت بالفشل. ولولا وجود «حزب الله» على الخطّ لكان الوضع بين الرجلين أشدّ صعوبة.

 

منذ أن كان «الجنرال» في باريس، اعتبر أنّ بري هو الركن الأساس في تركيبة سياسية استفادت من غيابه لملء الفراغ المسيحي بقوى لا يمتلك معظمها الحيثية الحقيقية في تمثيل المسيحيين. وقد تولّت قيادة البلد بعد «اتفاق الطائف»، برعاية دمشق.

 

ولا ينسى عون أنّ هذه التركيبة التي تترجم تحالفاً سياسياً بين بري والحريرية السياسية ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط وبعض الوجوه المسيحية، قد دافعت عن نفسها بشراسة في العام 2005، وتصدّت لطموحاته عند عودته إلى البلد.

 

طبعاً، أوساط بري بقيت ترفض هذا «الاتهام»، وتقول: «لم نعزل أحداً من المسيحيين. لا عون ولا سواه. أخطاؤه وحروبه هي التي أخرجته. وعلى العكس، بعد الطائف، حاولنا إنعاش الحالة السياسية المسيحية من خلال قوى وزعامات معتدلة تتمتع إجمالاً بحيثيات شعبية، وأحياناً تاريخية.

 

والمسيحيون أنفسهم قالوا «نعم» مراراً لهذه القوى في صناديق الاقتراع. ولنا الفضل في الحفاظ على التوازن الوطني الذي تَعرَّض للاهتزاز في لحظة معينة. وطوال فترة ما بعد الطائف، لم يخسر المسيحيون أياً من مواقعهم في الدولة والمؤسسات.

 

عند إبرام «تفاهم مار مخايل» بين عون و«حزب الله»، في العام 2006، ظنّ كثيرون أنّه سينعكس تبريداً للجبهة بين عون وبري. وفعلاً، دخل «الحزب» مراراً في الوساطة بين الشريك الشيعي والحليف المسيحي. لكن المشكلة بينهما كانت أعمق. وبدا أنّ هناك «ثأراً» يخبئه كل طرف للآخر، وأنّ كلاً منهما يعتبر هزيمته أمام الآخر خسارةً للحرب.

 

عملياً، أراد عون إسقاط المنظومة التي تولّت السلطة من 1992 حتى 2005، والتي ما تزال قوية حتى اليوم، وإحلال منظومة أخرى يكون هو أحد أركانها الأساسيين. لكن هذا الأمر كان يقتضي منه خوض معارك كثيرة وتوافُر الظروف المساعدة. فالقوى المستهدفة ليست ضعيفة، وهي تحظى بتغطية واسعة في الداخل والخارج.

 

الكلمة الفصل بين عون وبري بقيت عند «حزب الله»، ما دام يشعر كلٌ منهما بأنّه «مدعوم». فبري هو الشريك الوحيد لـ»الحزب» داخل الطائفة، ولا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر أو إضعافه، أياً كانت الظروف. وأما عون فكان يريد من «الحزب» أن يقطف ثمار الإنقلاب السياسي الذي تجرّأ على تنفيذه بعد خروج السوريين، أي انتقاله من حال العداء معه إلى التحالف.

 

وعندما سلَّف عون «حزب الله» دعماً مطلقاً في حرب تموز 2006، ثم في حركة 7 أيار 2008، وشاركه العصيان ضدّ حكومة فؤاد السنيورة، اعتقد أنّ اللحظة قد حانت للقطاف في موقع الرئاسة. لكن بري وحلفاءه استطاعوا أن يتجاوزوا في الدوحة «قطوع» انتخاب «الجنرال». والجميع يذكر كم بلغ به التوتر آنذاك. وقد استخدم الأمر مبرّراً ليقول: «غير مرغوب فيَّ» ضمن هذه التركيبة.

 

وعندما أطلّ الاستحقاق الرئاسي التالي، في العام 2014، سارع بري وحلفاؤه إلى تشجيع مروحة واسعة من الشخصيات المارونية، لعلّ أحدها يتولّى المنصب بعد الرئيس ميشال سليمان، وفي طليعتها رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية. لكن عناد عون كان عاتياً. وهذه المرّة، لم يخذله «حزب الله».

 

لم يقترع بري لعون على رغم أنّه حليف «حزب الله»، وصوَّتت كتلته بأوراق بيض. ولم ينسَ عون ذلك طوال عهده. وفي أوساط «التيار» يُقال إنّ لبري مساهمة أساسية في «قصقصة جوانح» العهد، وإنّ عبارة «ما خلّونا» التي يرفعها فريق عون تعني رئيس المجلس في الدرجة الأولى. والمواجهة بين الطرفين في انتخابات 2018، من جزين إلى جبيل مروراً بالضاحية كانت لها رمزيتها في «الكباش» وما زالت.

 

واليوم، إذ يوشك عهد عون على دخول عامه الأخير، ثمة مَن يقول إنّ التركيبة السياسية المناوئة له لن تتيح له استثمار أي نجاح في موسم الانتخابات الحاسمة نيابياً ورئاسياً، وأنّ هذا الأمر سينعكس أيضاً تضييقاً على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بصفتها خاتمة العهد.

 

ويحاذر بري تكرار مأزق 2016 ووصول رئيس «التيار» جبران باسيل إلى الرئاسة، بحيث يكون عون قد كرّس ولاية جديدة، في شكل غير مباشر. وإذا كانت الكيمياء بين عون وبري ضعيفة، فهي مفقودة تماماً بين بري وباسيل. وسبق أن دارت جولات بينهما كادت تؤدي إلى صدامات أهلية، خصوصاً تلك التي أعقبت «فيديو مِحْمَرش» الشهير.

 

واضح أنّ الانتخابات النيابية المقبلة ستكون معركة بين «أبناء الخط الواحد» الذين سينقسمون على جبهتين، ويتوزعون الغالبية الساحقة من المقاعد. وسيكون بين الجبهتين فريق ثالث يحاول حفظ موقعه هنا وهناك. وفوق الجميع، هناك «حزب الله».

 

وللدقّة، ستحافظ «القوات اللبنانية» على كتلة. وثمة مَن يعتقد أنّ بري وحلفاءه يرحّبون بذلك ليحافظوا على توازن معيّن داخل الوسط المسيحي. وكذلك، ستحظى الكتائب وقوى الاعتراض الأخرى بمقاعد قليلة، كما هي الحال اليوم. ولكن، على المستوى السياسي، ستخوض قوى السلطة انتخابات 2022 وفق الخريطة الآتية:

 

1- جبهة عون، وحدَه تقريباً.

2- جبهة بري، ومعه يتقارب الرئيس سعد الحريري في الانتقام من عون، ورئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية.

 

3- الفريق «الوسطي» أو المتأرجح، الذي يضمّ رئيس التقدمي وليد جنبلاط، وقوى أخرى تبحث عن حماية الرؤوس بتحالفات أينما كان.

4- «حزب الله» الذي يمسك باللعبة فعلاً ويتحالف معه الجميع: عون وبري وفرنجية مباشرة، فيما الآخرون «ممسوكون» أيضاً بطريقة غير مباشرة ما داموا متحالفين مع بري وعون. ولا مشكلة لـ»الحزب» مع الحريري ما دام في موقع «حليف الحليف»، ولا جنبلاط.

 

وسيقاتل بري وحلفاؤه لمنع عون وباسيل من تحقيق انتصار جديد. لكن الكلمة ستكون لـ»الحزب» مجدداً: فهل سيعتمد العونيَّة حليفاً مسيحياً أو سيختار تحالفاً آخر؟ وما المبرِّر لكي يغيّر التحالف إذا كان «موفّقاً» ومثمراً حتى اليوم؟ وماذا سيعطي باسيل مقابل تكريسه في موقع عون لـ6 سنوات مقبلة؟ وهل سيؤثر الانفتاح المستجد بين لبنان الرسمي ودمشق على كل هذه اللعبة؟