لما كانت معظم الدول الاسلامية تقوم على شرعية الغلبة والتغلب، طوال قرون، وحتى في القرن العشرين، ومع ظهور دول قطرية وقومية، لم تكن الديمقراطية بمفهومها المنحوت في الغرب تلاقي جواً يمكن أن تستوطن فيه في شرقنا، وبعد الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة الاسلامية العثمانية وحتى عندما إنهارت  الأنظمة السلطوية، شرقاً وجنوباً، وبخروج الولايات المتحدة الامريكية، من الحرب الباردة منتصرة ،وخروج الاتحاد السوفياتي مهزوماً فاقداً امبراطوريته، وحزبه وأيديولوجيته الشمولية حتى مع إحرازه التقدم التكنولوجي، فقد بانت الديمقراطية رابحة، ما جعلها تفرض نفسها بالشكل الطبيعي للتنظيم السياسي الكوني ،فضلاً عن كونها التجلي للحداثة التي قامت على اقتصاد السوق من حيث شكلها الاقتصادي الليبرالي كما وكانت العلمانية تجلياً للديمقراطية من حيث تعبيرها الثقافي .

 

 

تسللت الديمقراطية كآليات للانظمة السياسية التي تشكلت مشَوهة ومشوِهةً لمفهوم الديمقراطية وكان من الخفة بمكان أن نعتبر كثيراً من التجارب السياسية في شرقنا ،تجارب ديمقراطية فضلاً عن عدم اكتمال الفكرة وبقائها في دائرة القلق في الغرب ،فلا سياسة السوق  المنفتحة والقادرة على المنافسة هي الديمقراطية ،ولا اقتصاد السوق  بحد ذاته يشكل مجتمعاً صناعياً، بل من وسعنا القول  في كلا الحالتين، أن السيستام المنفتح سياسياً وإقتصادياً شرط أساس من شروط الديمقراطية أو التنمية الاقتصادية ،لكنه غير كاف.

 

 

صحيح أن لا وجود للديمقراطية من دون إختيار الحاكمين من قبل المحكومين، لكن بدون تعددية سياسية يبقى ناقصاً، لكننا بالوقت عينه لا يمكننا الكلام عن ديمقراطية اذا لم يكن بمقدور الناخبين إلا الاختيار بين جناحين من أجنحة الاوليغارشية  (المؤسسات العسكرية والامنية من جهة  والاجهزة السلطوية من جهة أخرى ) حتى أننا لا يمكنا الحديث عن تعاظم إقتصادي منتج صناعي أو زراعي إلا اذا كان هناك سيستام قانوني وإدارة عامة وأراضٍ موحدة وحدود ومتعهدون يستطيعون إعادة توزيع الناتج والارباح بشكل عادل.

 

 

لماذا يحرص الاسلاميون على الدخول في العمليات الديمقراطية ومنها الانتخابات وهم لا يعترفون ولا يؤمنون بهذا النوع من الشرعية السياسية لاي نظام سياسي ديمقراطي بل إن الديمقراطية بمفهومها  المستجد هو الاعتراف بالآخر  أقلوياً أو أكثرياً.

 

 كانت تلك مقدمة لرسم صورة الواقع السياسي لحزب يدعي الانتساب الى الله ويمارس كل أنواع التسلط بما يؤمن له جنة السلطة والتسلط وقمع الآخر وعدم الإعتراف به بل وتشويهه.

 

 

إن التقهقر الذي تشهده ساحتنا اللبنانية عامةً والشيعية بشكل خاص في فهم الديمقراطية وممارستها  يستتبع تدني المشاركة السياسية ويؤدي الى  ما يسمى أزمة التمثيل السياسي فالناخبون لا يعودون يشعرون بأنهم ممثَلون وهذا ما يوصلهم إلى شجب الطبقة السياسية التي لا غاية لها سوى تحقيق سلطتها الخاصة، ناهيك عن سعيها احياناً كثيرةً إلى إثراء أفرادها شخصياً.

 

 

ثم إن الوعي بالمواطنة وحقوقها يتعرض للوهن والضعف لشعور الكثيرين بأنهم زبائن مستهلِكون أكثر مما هم مواطنون  وهذا ما يشعرهم بالتهميش أو الاستبعاد عن مجتمع لا مشاركة حقيقية لهم بشؤونه وسبب ذلك هو  الارهاب التي تستعمله النخبة الحاكمة بشتى أنواع الاكراه بدءً بالتخوين اذا ما خالف الفرد توجه الطبقة وصولاً إلى التخويف بالآخر ومنه حفاظاً على الهوية الثقافية المدعاة.

 

 

 إن الديمقراطية في بيئتنا الشيعية قد ضعفت على هذا النحو وعند ذلك  يصبح من الممكن القضاء عليها انطلاقاً من فوق على يد السلطة السلطوية وإما انطلاقاً  من تحت على يد الفوضى والعنف والحرب الاهلية أو انطلاقاً منها هي  بالذات عبر الرقابة التي تمارسها على السلطة أوليغرشيات  وأحزاب تراكم الموارد الاقتصادية أو السياسية لتفرض خياراتها وإختياراتها على مواطنين باتو مجرد ناخبين وحسب.

 

  إن الخطاب المتهافت الذي  بدأ فيه حزب الله إفتتاح الموسم الانتخابي لهو من التفاهة بمكان أنه لا يراعي أبسط حدود  الديمقراطية التي لا يؤمن بها بل يطوعها للمحافظة على سلطته  التي حمى بها كل منظومة الفساد والتي قابلته بالسكوت عن تفريغ النظام والدولة من أسسها  ألا وهي السيادة، فمن كلام  رئيس كتلته عن المازوت الانتخابي الذي استطاع من خلاله تزحيط  خصومه كما ادعى منتقياً  مفرداتٍ ليس لها في معجم الدولة مرادف، إلى ادعائه أن الاستحقاق الانتخابي هو خطة للتآمر على المقاومة  وفي ذلك إستخدام رخيص لعناوين استطاع من خلالها أن يركب هو وأضرابه على رقاب وصدور  الشيعة  ثلاثين عاماً بما يزيد عن ثمان دورات إنتخابية  وهو  لم يقدم للبيئة غير الوعود الفارغة من مضمون الحماية من لصوص سرقوا الجمل بما حمل وهو غافٍ أو متآمر شاركهم  الموبقات التي أوصلت البلد الى الانهيار  وهو اليوم  يخفي في خطابه حتى المحاسبة والمساءلة  لأنه سوف يكون في العراء إذا ما أطلق وأكمل ما بدأ به زميله بالكتلة عندما تأبط ملفات  قال عنها  اذا ما قدر أن تخرج إلى الضوء لأسقطت رؤوساً كبيرة.

 

 

 إن أولوية حزب الله كما وصلتنا تعاميمه على أفراده هو عدم السماح بوصول أي  فرد من المرشحين الشيعة وهو بذلك يدعي أنه ديمقراطي ويحاضر بالعفة في التمثيل الصحيح والشريف متناسياً أنه يعمل بكل أدوات ميكيافلي  السياسية بل ويزيد عليه ردحاً من الشعر  الهابط متناسياً سيرة علي ونهج أئمة أهل  البيت بالثبات على الصدق في الحديث والابتعاد عن المكر والخديعة ، تاركاً آيات الله التي نهت عن الفجور  في التعريض بمن يقدم لهم العطاء رءاء الناس مستتبعين عطاءهم الزهيد والمجهول المصدر  بمنٍ وأذى كما جا على لسان أحد نوابه من الهرمل في الجلسة التي عقدت لمنح الحكومة الثقة حيث فجر  راداً على من ذكره بمنهج الامام الخميني ووصاياه في المحافظة على النظام  يا أيها الذين آمنو لا تبطلو صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رءاء الناس.

 

   ألم يقل القرآن الكريم  قول معروف خير من صدقةٍ يتبعها أذى؟

الاذية التي تلقيناها على مدى السنتين الماضيتين  هو تقديمكم لفخر صناعتكم بالقبة  الحديدية التي منحتموها لطبقة الحكام الفاسدين ستحاسبكم النفوس الأبية ،والأجيال لن ترحم زجها في  جحيمكم وجحيم عهد حليفكم المشؤوم.