ليس من السهولة بمكان اعتبار طريق الحكومة سيكون سهلاً ومعبداً باتجاه مواجهة التحديات وتنفيذ الإصلاحات المطلوب تنفيذها من المجتمع الدولي ومن الدول الصديقة والشقيقة التي تربط مساعداتها بتنفيذ عدد من الإصلاحات البنيوية، لكن ذلك وحده لن يكفي لإعادة بناء الثقة بين الدولة وبين الداخل والخارج على حدّ سواء، حيث يبدو من الضروري ان تتصدى الحكومة لمجموعة من القضايا الوطنية الضاغطة والملحة . 

 

 

 الحديث السائد على المستوى السياسي اليوم الأولويات المحرجة التي تواجهها الحكومة، والتي تاتي خارج سياق لائحة الإصلاحات البنيوية التي يُصرّ عليها المجتمع الدولي وأصدقاء لبنان كشرط لفتح باب المساعدات والقروض امام الدولة اللبنانية. 

 

 

لكن النجاح الفعلي للحكومة لا يتوقف على معالجة هذه الأولويات المحرجة بل يتخطى ذلك لبناء رؤية إصلاحية شاملة، بالإضافة إلى ضرورة التعامل ومعالجة بعض القضايا الوطنية الكبرى، والتي تؤثر على وحدة اللبنانيين وعلى مستقبل لبنان السياسي والاقتصادي .

 

 

و يأتي في رأس قائمة هذه القضايا الوطنية موضوع استعادة الدولة لسيادتها على جميع الأراضي اللبنانية بما في ذلك ضبط المعايير الحدودية مع سوريا وضبط عمليات تهريب المحروقات والمواد الأساسية والدولارات والتي تستنزف قدرات لبنان وموجوداته من العملات الصعبة، وتؤثر سلباً على حياة اللبنانيين اليومية . 

 

 

يشكل موضوع استعادة الدولة لسيادتها ولقرار السلم والحرب موضوعاً خلافياً، بالغ التعقيد بسبب وجود حزب الله ممثلاً في الحكومة، وبسبب الانقسام السياسي الحاصل بين حزب الله وحليفه التيار الوطني الحر من جهة وبين بقية القوى السياسية المشاركة في الحكومة، بالإضافة لموقف عام معارض لأكثرية اللبنانيين من سلاح حزب الله وهيمنته على القرار الوطني . 

 

 

إقرأ أيضا : محدودية المجال امام حكومة ميقاتي

 

 

بالتأكيد أن موضوع السيادة وسلاح حزب الله وهيمنته لن يحل بقرار يتخذ في مجلس الوزراء بل لا بدّ من معالجته بروية من خلال الدعوة لطاولة حوار وطني، وبمساعدة ودعم من القوى الدولية والإقليمية الصديقة من أجل دعم ما يمكن ان يتقرر من توافقات على طاولة الحوار. انه مسار شاق وطويل ويتطلب توافر ظروف سياسية داخلية ودولية لانجاحه . 

 

 

لكن لا يمنع ذلك من السعي الذي بدأ بمبادرة من البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لتحقيق الحياد الإيجابي للبنان، والذي يعني تحديداً إبقاء لبنان خارج كل محاور الصراع الإقليمي والدولي. 

أما بخصوص ضبط المعابر الحدودية ووقف التهريب إلى سوريا فهي جزء أساسي في موضوع السيادة، لإنعكاسها بشكل كبير ودراماتيكي على الأوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية في لبنان، ولا بدّ من طرح الحلول اللازمة لها بسرعة وجدية، وبالتالي تغليب منطق الدولة على منطق مصالح الدويلة. 

 

 

لا بد أيضاً من التوقف عند دور الحكومة من مشكلة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل من خلال معاودة المفاوضات غير المباشرة بمشاركة الأمم المتحدة وبرعاية أميركية. في رأينا لم يعد من الممكن أو الجائز إبقاء موضوع ترسيم الحدود للمنطقة الاقتصادية الخالصة رهينة التجاذبات السياسية الداخلية، فخطورة الوضع الراهن على مصالح لبنان الحيوية يجب ان تتعدّى جميع الاعتبارات والمصالح التي يعبّر عنها الأفرقاء السياسيون . 

 

 

تبقى من المسائل الأساسية والهامة جداً مسألة فك العزلة المفروضة على لبنان عربياً، والتي تسبب بها تجاهل وفقدان السلطة اللبنانية لدورها السيادي ولمسؤولياتها السياسية والدبلوماسية تجاه الدول العربية وخصوصاً الخليجية منها، بالإضافة إلى تجاهله واهماله لصيانة علاقاته مع عواصم القرار ومع المؤسسات الدولية الكبرى. وتستدعي مسألة فك العزلة عن لبنان وتأمين انفتاح الدول الخليجية وخصوصاً المملكة العربية السعودية عليه سياسياً واقتصادياً.  ولربما التحدي الابرز يتمثل باجراء الانتخابات النيابية في الربيع المقبل تحديا كبيرا امام الحكومة وستكون أنظار العالم متوجهة نحو ما تتخذه الحكومة من خطوات عملية لتنفيذ الاستحقاق في موعده من جهة، ولاجراءات الحكومة لتأمين انتخابات شفافة وعادلة، تفتح الباب امام طبقة الشباب لتشكيل قيادات جديدة تحل مكان الطبقة السياسية الفاسدة والفاشلة. 

 

ختاماً هذه هي التحديات الوطنية الكبرى التي تواجهها الحكومة، والتي بالرغم من قصر فترة حكمها وبالرغم من الأولويات الإصلاحية والإدارية والمعيشية التي من المفترض ان تنال اهتمامها، فإنه يبقى من الضروري ان تسعى الحكومة لمعالجة ما يمكن معالجته من هذه القضايا الوطنية الكبرى، والتي في حال اهمالها ستؤثر سلباً على كل رجاء بعملية الانقاذ المالي والنقدي والاجتماعي.