إطمأنت منظومة السلطة وأعلنت بلسان الرئيس نجيب ميقاتي أن انتخابات أيار 2022 لن تعتمد خطة التأجيل التي كانت جاهزة من باب الاحتياط. على العكس، هي ستُجري الانتخابات باكراً، في 27 آذار، أي بعد 6 أشهر فقط من الآن. وهذا يعني أن المنظومة تملك معطيات تسمح لها بتكريس غلبتها داخل السلطة التشريعية، وسيطرتها على المؤسسات كلها، لسنوات أخرى. إذاً، أين أصبحت قوى الاعتراض في الداخل؟ وماذا عن واشنطن وباريس وسائر القوى الدولية التي لطالما نادت بالتغيير في لبنان؟   عندما بدأ الرئيس إيمانويل ماكرون ولايته الرئاسية (أيار 2017) كان يدافع عن تركيبة السلطة في لبنان، على علّاتها وإدراكه لفسادها، ويحاذر أن يغرق لبنان في أي نوع من الفوضى لأن ذلك سينعكس سلباً على استقرار الشرق الأوسط وأوروبا. وفي المقابل، كان الأميركيون يصرّون على تغيير هذه التركيبة أو تغيير سلوكها على الأقل.

 

وفي منتصف ولايته (2019- 2020)، اندفع ماكرون مع الأميركيين إلى تجربة التغيير في لبنان، ولكن عبثاً. واليوم، في الأشهر الأخيرة من الولاية (تنتهي في أيار 2022) يبدو ماكرون والأميركيون- كلّ من موقعه- في وضعية المهادنة والاستعداد للتعايش مع التركيبة على علّاتها، حتى إشعار آخر.

 

الموعد الأساسي للانتخابات النيابية في لبنان (أيار 2002) كان يتزامن تماماً مع خروج ماكرون من الإليزيه. ولكن، بعد تقديم الموعد إلى آذار، سيتمّ إنجاز الاستحقاق في عهد ماكرون، ومعه تتشكّل حكومة جديدة. وفي ظل هذين المجلس والحكومة سيُنتخب رئيس للجمهورية خلال أشهر قليلة.

 

ويعني ذلك أن إدارة ماكرون سيُتاح لها أن ترافق عملية التأسيس للتركيبة المولجة تولّي السلطة في لبنان خلال السنوات المقبلة، إذا لم تطرأ انقلابات في مناخ الشرق الأوسط تنعكس على لبنان. وعلى الأرجح، ستتعايش باريس مع المنظومة الحالية من باب الأمر الواقع، ما دام اللبنانيون أنفسهم قد فشلوا في إحداث التغيير سواء بانتفاضة 17 تشرين الأول 2019 أو بالانتخابات.

 

بالنسبة إلى الفرنسيين، التعايش مع المنظومة الفاسدة في لبنان وانتظار الظروف المناسبة للتغيير، هما أفضل من المغامرة بإيقاع لبنان في الفراغ والفوضى. وقد استطاعوا إقناع إدارة بايدن بأن إيران هي المستفيد الوحيد من الفراغ، وأن العقوبات والضغوط على لبنان أنهكت كل المؤسسات، وكل الفئات، فيما «حزب الله» امتلك المزيد من أوراق القوة.

 

في المقارنة بين خطاب ماكرون تجاه لبنان عام 2019 وخطابه اليوم، نراه تراجعَ تماماً عن المطالبة بتصحيح أخطاء المنظومة السياسية. وكلام الإصلاح القاسي الذي قاله للسياسيين في قصر الصنوبر آنذاك بات يقال في باريس بنعومة وبأصوات خافتة، واختفت اللهجة الحازمة مع «حزب الله».

 

وفي لقاء ماكرون- ميقاتي، قبل أيام، لم يكن الرئيس الفرنسي متحمساً للإصلاح كهدف لبناء الدولة والمؤسسات في لبنان. فهذا الأمر تراجع عنه بعدما استسلم لأخطبوط المنظومة السياسية. وإنما كان الهدف إقناع الجانب اللبناني باعتماد خطوات الحدّ الأدنى التي توحي للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بوجود رغبة في الإصلاح، لأن ذلك ضروري لتسيير العجلة.

 

عملياً، طموح ماكرون الأقصى هو أن توافق منظومة السلطة في لبنان على خطوات، ولو شكلية، تسمح له بممارسة وساطته مع القوى الدولية والعربية والجهات المانحة، لا سيما صندوق النقد الدولي. فمن دون ذلك، لن يستطيع الفرنسيون تقديم أي مساعدة.

 

ولأن الوقت بات داهماً له، يستعجل ماكرون قطف ما أمكن من الثمار في لبنان والشرق الأوسط، وحجز موقع للاستثمارات والمصالح الفرنسية، خلال الأشهر القليلة الباقية من ولايته.

 

وأفضل سبيل إلى ذلك هو تحريك استثمارات «سيدر» وتسهيل الاتفاق بين لبنان وصندوق النقد وإنجاح المفاوضات مع إسرائيل حول الحدود وآبار الغاز. ويعتقد الفرنسيون أنهم هيّأوا المناخ لقطف الثمار عندما سلّفوا الإيرانيين تسهيلات سياسية في لبنان والشرق الأوسط.

 

وفي موازاة الاستسلام الفرنسي، يمكن النظر إلى استشراس قوى السلطة وماكيناتها وأجهزتها، في هذه المرحلة، على قوى المعارضة وهيئات المجتمع المدني، ما أدى إلى إضعافها وشرذمة صفوفها إلى حد بعيد.

 

وعلى الأرجح، لن يُتاح لهذه القوى والهيئات أن تطلّ برأسها في الانتخابات النيابية المقبلة، لأن النافذين سيدرسون القانون وظروف الانتخابات وضوابطها بدقة، من دون أن يخافوا الاعتراضات الدولية. ولن يكون حظ قوى الاعتراض فيها أفضل من حظها في الانتخابات السابقة، أي اللاشيء تقريباً.

 

هذا الثمن ستدفعه قوى الاعتراض بسبب الاختلال الفاضح في توازنات القوة بينها وبين قوى السلطة، وهو تحديداً ثمن الهزيمة المثيرة لكثير من التساؤلات في 17 تشرين.