ونعتقد أن تغييب هذه المبادئ في التنظير الأخلاقي، والاكتفاء بعلاجات نقد الممارسة نظريًّا، وتقديم تبريرات على أساس تقديم معايير بديلة تنطلق من تراث بعينه، يستحيل بالضرورة إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها ضمن المعايير الخاصة للتراث البديل، والوقوع في المحافظة الدفاعية. ويتعين، في هذا الصدد، التنبيه إلى أن فكرة التراث في المنظور الماكنتايري لا تتطابق مع الدين، كما يلاحظ أرماندو سالفاتوري، بل ترتبط ماهويًا بالممارسة والاتصال ، وهو ما يجعل ماكنتاير يضع مسافة مع الخطاب الإيديولوجي للمنظرين السياسيين المحافظين الذين يضعون التراث في مقابل العقل، ويضعون استقرار التراث وثباته في مقابل الصراع.
 

من المعلوم أنّ المجتمع اللبناني هو مجتمعٌ دينيٌ, بحكم تركيب سكانه الذين ينتمون إلى طوائف ومذاهب دينية, سواء؛ كانت إسلاميّة بكل تنوّعها, أومسيحيّة أيضاً كذلك, ومن المفترض أنّ يكون من أهداف المذاهب تلك, الإهتمام بالفضيلة الأخلاقيّة, والعمل على ترسيخ القيم الدينية, نظريًّا وفي الممارسة أيضاً, هذا هو جوهر الأديان على ما هو مؤكّد في نصوصها.

 

ومن أهم وظائف الدين كقوة تكاملية, إنشاء مجتمع أخلاقي, ولا يصحّ, بأيّ شكل من الأشكال تضييع  هذه الوظيفة, إذ تُعدّ ممارسة الفضائل الأخلاقيّة من أهم وسائل الضبط الاجتماعي وأكثرها  فاعلية, حيث إنّ الأديان قد ركّزت على تهذيب سلوك الإنسان وضبط انفعالاته والتحكم في غرائزئه ومتطلباته. فالفضيلة الأخلاقيّة التي حضّ الدين على ممارستها تهدف إلى تأسيس مجتمعٍ خيّر يرفض الفساد والفاسدين. فكيف يمكن لمجتمع ديني أن يحمي الفساد, ويتعامل معه على أنه سلوك طبيعي؟ وكيف يمكن أن تُنتج الفضيلة فساداً؟ هل المشكلة في الفضيلة, أم في طريقة ممارستها؟ ... 

 

وإذا كان البعض في لبنان ممن نُصّب ممثّلاً للفضيلة الأخلاقيّة, يحاول أن يُخرج الدين عن وظائفه الحقيقة في الحياة، ويزجّ به  في غير معتركه، ويجعل منه عبئاً ثقيلاً على النفوس، أو يوظّفه لخدمة مصالحه وأهدافه الشخصية، ومصالح واهداف سلطة سياسية, أو يجعل منه أداةً لتفريق المجتمعات, وإعاقة حركة تقدمها وتطورها، أو يتخذ منه وسيلة للقتل والتدمير أو غيرها من السلوكيات التي تتناقض وجوهر الدين، فليس العيب في الدين ولا المشكلة في التدين ذاته، إنما هي في تلك السلوكيات الشاذة والغريبة التي ينبغي على العلماء التصدي لها ومواجهتها بالحجة والبرهان خدمة للدين أولاً وللإنسانية ثانياً.

 

عندما يحتمي الفاسد بطائفته, ويحاول رئيس الطائفة تجيير كل إمكانات الطائفة لحمايته, على الرغم من علمه بفساده, تظهر جليًّا أزمة في النسق الأخلاقي الديني, يعني ذلك إزاحة الفضيلة الأخلاقيّة في ممارسة, ما يعني فشل وظيفة الدين في تكريس الفضائل التي تحمي قيّم العدالة والمساواة, والحقوق والواجبات.

 

هذا السلوك يؤدّي إلى ضرب وظيفة الدين الأساسية في حفظ المجتمع, وتعزيز الوحدة الجماعيّة, والتضامن الإجتماعي للمجموعة. حيث إنّه تكمن قيمة القيم والأخلاق التي هي ناتج تنشئة اجتماعية  تكون أصولها في الغالب دينية، إذ إنّ الدين - الذي يرجع أصله إلى الوحي- اختصر على الإنسانية مسافات طويلة، كان عليها أن تقطعها قبل أن تكتشف - بالعقل والحكمة المتراكمة- المبادئَ العامة للنظام الأخلاقي.

 

 فإنّ إزاحة الفضيلة الأخلاقيّة  في الممارسة الإجتماعيّة  والسياسية والإقتصادية, تُغيّب قيمة تلك القيّم الأخلاقيّة, وبالتالي لا بدّ من أن يؤدّي إلى تفكّك المجتمع, وفشله وتراجعه. أليس هذا من أبرز سمات المجتمع اللبناني؟

قد يكون الفضاء الثقافي الطائفي الحاكم في لبنان, ترك أثّراً سلبيًّا على معنى الفضيلة الأخلاقيّة, وبسبب الصراع على السلطة, حُمّلت الفضيلة معنى, أو غُيّب معناها, وهذا يعني أنه تعطّلت وظيفتها في إنتاج الخيرات, وتحوّلت إلى وسيلة لإنتاج الفساد. وهل يصحّ أن تُنتج الفضيلة فساداً؟ هذا تساؤل يفرض لا بدّيّة طرح السؤال الأخلاقي من جديد, ومقاربته الفلسفيّة.

 

هذه الحالات والأمثلة قد تكون تعبيراً عن وعي زائف أو وعي شقي، يستخدم الدين من أجل أهدافٍ سلطويّة, لأنها تُعلي هواجس متمركزة حول الذات الفردية أو الفئوية فترفعها إلى مرتبة الحق المطلق. فالحق في هذه الحالة هو تحقيق المكاسب الشخصية، حتى ولو كانت على حساب حق الجماعة وحقوق من هم أكثر استضعافا وحاجة.

 

والنظر في واقعنا يكشف صورا كثيرة من هذا الوعي المزيف، والأخطر من ذلك أن ينطلي ذلك على بعض الشباب وبعض الفئات، وأن يروجوا لأطروحاته رغم أنهم من ضحاياه، وهو وعي شقي مزدوج، ومن اللازم كشفه وتسليط الضوء عليه. والأصل في ذلك ومصدر دخول البلاء عليه هو ضياع الأخلاق، ونقصد هنا أخلاق الإصلاح.

 

اليوم تُقدِّم كثير من الأنانيات الفردية نفسها على أنها مشاريع إصلاحية، كما تُقدَّم عدد من "المقاولات الانتخابية" على أنها أحزاب سياسية، وعدد من الدكاكين الجمعوية المفتوحة على أنها مشاريع مدنية، وحقيقة الأمر أنها ليست سوى أحابيل لالتهام المال العام, والسيطرة على الجمهور, لإسعماله وسائل وأدوات لتكريس مشاريع سلطويّة.

 

انطلاقا من مبدأ المسؤولية ومبدأ الحرية الإنسانية تلقاء جميع الحتميات والإكراهات الخارجية؛ أقرّ الإسلام أن قيام الفرد بالواجب أمرٌ مستقل عن وضعه الحقوقي. ذلك أن المطالبة بالحقوق إذا كانت أمرا مشروعا فهي مطلوبة ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس، حيث يُعتبر من قُتل دون ماله شهيدا ومن قُتل دون عرضه شهيدا؛ كما ورد في الحديث النبوي الشريف.

 

نريد أن نؤكد على أن التنظير الأخلاقي في المجال التداولي اللبناني يمكن أن يستفيد من الطرح الماكنتايري، فيما يتصل باستحضار التاريخ والسوسيولوجيا في صلتهما بالنظرية الأخلاقية والفلسفة السياسية، وهو ما تعكسه المبادئ النظرية الأربعة التي يقيم عليها ماكنتاير فلسفته الأخلاقية؛ أي المبدأ التاريخي الذي يصل الأخلاق بسياق ممارستها، والمبدأ الغائي الذي يصل الفضائل بالغايات النهائية، والمبدأ الأخلاقي الذي يجعل المصلحة المشتركة فوق كل مصلحة أخرى، والمبدأ السوسيولوجي الذي يعطي الأولية للمجتمع قبل الفرد.

 

ونعتقد أن تغييب هذه المبادئ في التنظير الأخلاقي، والاكتفاء بعلاجات نقد الممارسة نظريًّا، وتقديم تبريرات على أساس تقديم معايير بديلة تنطلق من تراث بعينه، يستحيل بالضرورة إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها ضمن المعايير الخاصة للتراث البديل، والوقوع في المحافظة الدفاعية. 

 

ويتعين، في هذا الصدد، التنبيه إلى أن فكرة التراث في المنظور الماكنتايري لا تتطابق مع الدين، كما يلاحظ أرماندو سالفاتوري، بل ترتبط ماهويًا بالممارسة والاتصال ، وهو ما يجعل ماكنتاير يضع مسافة مع الخطاب الإيديولوجي للمنظرين السياسيين المحافظين الذين يضعون التراث في مقابل العقل، ويضعون استقرار التراث وثباته في مقابل الصراع.