قفز فجأة إلى الواجهة الإعلامية والسياسية موضوع عدم إجراء انتخابات المغتربين من دون ان تتبنّاه اي جهة سياسية حتى الآن. ويبدو انّ الهدف من رميه جسّ النبض لمعرفة حجم ردود الفعل على هذا التوجُّه. ولكن، ما الهدف من هذه الخطوة؟ ومن يقف خلفها؟ وما هي خلفياتها؟
 
قد يتذرّع البعض بعدم إجراء الانتخابات لأسباب لوجستية ومالية، او قد يذهب البعض الآخر للمطالبة بتطبيق قانون الانتخاب الذي ينص على تخصيص 6 مقاعد نيابية للمغتربين، فيما المطروح اليوم تخيير اللبنانيين بين السيئ والأسوأ: إما الإطاحة بتصويت المغتربين وبانتخاب 6 نواب في آن معاً، وإما الموافقة حصراً على انتخاب 6 نواب للمغتربين، ما يعني الحؤول دون تمكين المغتربين من التصويت على غرار ما حصل في العام 2018، ولكن لماذا؟ وما الهدف؟ ومن يقف خلف هذا التوجّه؟

ad
 

تعمل الأكثرية الحاكمة على هدفين أساسيين: الأول السعي الى عدم إجراء الانتخابات النيابية تلافياً لنتائج غير مضمونة في ظل التبدُّل الواسع في مزاج الرأي العام، فضلاً عن انّ الانتخابات النيابية تأتي قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية، ويفضِّل هذا الفريق تجنُّب اختبار الواقع المسيحي، بغية الإبقاء على النتائج الراهنة، خشية خسارة ورقة عملية او تفاوضية.

 

الهدف الثاني، الحدّ من خسائر الانتخابات في حال كان تأجيلها متعذراً، خصوصاً انّ المجتمع الدولي يضغط من أجل إتمام الانتخابات في موعدها، ويحذِّر من اي تمديد محتمل، وليس مستبعداً ان يلجأ إلى إصدار قانون دولي، في حال لمس اي توجّه تمديدي، وبالتالي تلافياً لأي مواجهة مع المجتمع الدولي، يتمّ اللجوء إلى تعديلات في القانون تحدّ من الخسائر المحتملة، لإنّ الإطاحة بالقانون متعذرة بدورها، ولو كان بإمكانهم تغيير القانون لما تردّدوا، ولكن فتح اي نقاش في هذا الموضوع يُدخل البلد في انقسامات عمودية ويكون الهدف منه عدم إجراء الانتخابات.

 

وفي طليعة البنود التي يتمّ التفكير بتعديلها من أجل الحدّ من خسائر الانتخابات على فريق 8 آذار اقتراع المغتربين، وذلك للأسباب الآتية:

 

ad
أولاً، لأنّ نتائج انتخابات المغتربين السابقة أتت لمصلحة الفريق السيادي، على رغم انّ الانقسام الوطني كان بحدوده الدنيا، ولم يكن البلد قد انهار بعد، وكانت التجربة الأولى للمغتربين، حيث انّ القسم الأكبر الذي لم يتسجّل لم يكن يتوقّع ان يُفسَح في المجال أمامه للمشاركة في الانتخابات، فيما الحماس هذه المرة أصبح مضاعفاً.

 

ثانياً، لأنّ هناك شريحة واسعة من اللبنانيين تركت لبنان منذ سنتين إلى اليوم بسبب الأزمة المالية وتريد الانتقام من السلطة.

 

ثالثاً، لأنّ التوجُّه الغالب للمغتربين سيادي بامتياز، وقد لمس الجسم الاغترابي انّ لبنان ينهار أمامه، وبالتالي يشهد تعبئة استثنائية سعياً للمشاركة في الانتخابات، بغية تمكين من يجب تمكينهم في محاولة لإخراج البلد من أزمته.

 

رابعاً، لأنّ المغترب لا يتأثر بترغيب ولا ترهيب باعتباره بعيداً عن البلد، وليس بحاجة لمن يمنِّنه بمازوت وبنزين من هنا، او خدمة من هناك.

 

خامساً، لأنّ «حزب الله» يخشى من ان تقترع شريحة واسعة من المغتربين الشيعة ضدّه، لأنّهم غير خاضعين لنفوذه وتأثيره، ولأنّ دوره وسياسته والعقوبات المفروضة عليه أنهكتهم وقيّدت أعمالهم وحدّت من حركتهم.

ad
 

سادساً، لأنّ «التيار الوطني الحر» يخشى بدوره من اقتراع عقابي ضدّه بسبب انهيار البلد وتحالفه مع «حزب الله» الذي يمنع قيام الدولة، والاقتراع في المرة السابقة عندما كان في بداية صعوده وأوج قوته لم يأتِ لصالحه مسيحياً، فكيف بالحري بعد الانهيارات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة وانكشاف غياب اي مشروع سياسي له باستثناء سعيه الى السلطة، أي السلطة من أجل السلطة؟

 

وُيدرك «التيار الحر» انّ تصويت المغتربين يمثل مطلباً مسيحياً أساسياً بدءاً من الجسم الاغترابي نفسه، مروراً بالكنيسة المارونية، وصولاً إلى «القوات اللبنانية»، ولا يستطيع الوقوف ضدّ هذا المطلب للمسيحيين المقيمين والمغتربين، ولذلك، شدّد في بيانه الأخير على ضرورة إشراك المغتربين بالاقتراع من خلال انتخاب النواب الـ6 الذين تمّ تخصيصهم بالقانون، وبالتالي يحتمي بالقانون في مواجهة مطلب تصويتهم المباشر، والهدف من تخصيص 6 نواب الحدّ من تأثير اقتراعهم على ميزان القوى السياسي الداخلي عن طريق فصلهم عن لبنان، فضلاً عن انّ توزيع النواب الستة طائفياً سيؤدي بدوره إلى مزيد من لجم تأثيرهم.

 

والمطلوب بإلحاح مواجهة اي محاولة لحرمان حق المغتربين بالاقتراع، وتعليق العمل بالمادة 122 التي تتحدّث عن إضافة 6 مقاعد لغير المقيمين، والعودة إلى القانون بصيغته التي اعتُمدت في العام 2018 من خلال السماح للمغتربين بالاقتراع لمصلحة المرشحين في دوائرهم الانتخابية حيث مكان قيدهم في لبنان. وأهمية هذا الاقتراع تكمن في الآتي:


 

1- إبقاء التواصل قائماً بين المغترب وبيئته ومنطقته وبلدته وأهله، والتفاعل مع هذه البيئة، فيما ربط اقتراعه بالخارج يُبقيه في الخارج، ويحوّل اهتمامه إلى خارجي بدلاً من ان يكون داخلياً بامتياز.

 

2- المغترب معني بتنظيم شؤون بلده الوطنية والسياسية والإنمائية، وليس تنظيم شؤونه السياسية في الاغتراب، حيث انّ أموره اللوجستية تتولاها السفارات والقنصليات، فيما الأمور السياسية يجب ان تُحصر في لبنان.

 

3- لا يجوز التعامل مع المغتربين كسند مالي بالإتكاء على تحويلاتهم المالية، وحرمانهم من حقهم في المشاركة في صناعة القرار الوطني.

 

4- لا يجوز التمييز بين المواطن المقيم والمواطن المغترب، الأمر الذي يضرب قاعدة المساواة بين المواطنين والتي يكفلها الدستور.

 

فالتوجُّه إلى إلغاء حق المغتربين بالاقتراع ليس جديداً، بل يعود إلى زمن الوصاية السورية على لبنان، ومن الواضح انّ تجربة العام 2018 لم تعجب فريق 8 آذار الذي يريد عدم تكرارها، ويخشى أكثر فأكثر من الانتخابات المقبلة بسبب الانهيار المالي واقتراع الناس ضدّه. ولكن لا يمكن الكلام عن إصلاح وإنقاذ من دون تثبيت حق المغتربين في إنتاج سلطة جديدة.


 

ولكن، عدم تبنّي هذا التوجّه لغاية اللحظة، يعني انّ أصحابه يخشون من ردة فعل داخلية وخارجية. فهل سيتراجع أصحاب الطرح بحرمان المغتربين من حقهم، أم انّ المواجهة ستستعر في الأيام القليلة المقبلة؟