بدل أن يكسر حصارا اخترعه وهو غير موجود، كان على حزب الله أن يضغط وهو الحزب الحاكم الذي يؤلف الحكومات ويفرض رئيسا، باتجاه تنظيم قطاع وكسر احتكار شركات الطاقة بتحرير استيراد المحروقات وإلغاء ضريبة الدولة والتقليل من أرباح الشركات، هكذا ينهي طوابير الذل التي من الواضح أنها ستبقى، اللهم الا تحقيق غايات انتخابية وتجارية وتلميع صورة ايران بأسلوب قديم قد أكل الدهر عليه وشرب ولا ينطلي الا على ناخبيه البسطاء للاسف .
 

يعلم حزب الله علم اليقين، بأن استقدام عدد قليل من بواخر النفط الايراني وضخّها بالسوق اللبناني إن من خلال بيعها بأسعار تقارب الى حد كبير أسعار شركات النفط، او حتى من خلال توزيع قسم منها، لا يحل مشكلة حاجة المواطنين ولا يحدث فارقا كبيرا بالتخفيف من الازمة وهذا مثبت بالارقام والدراسات، ولا أظن أنه يحتاج الى دليل، فضلا عن مرور أيام على بدء عراضات التوزيع بدون ان يتلمس هذا الواطن المسكين اي تحسن لا في كهرباء الدولة ولا بزيادة كمية المياه ولا حتى بأسعار اشتراكات الكهربا بالاضافة الى ما حصل من ارتفاع اسعار المحروقات بشكل جنوني.

 

 

بالمقابل، فإن خطوة استقدام المازوت الايراني وبالاسلوب المافيوي الذي دخل فيه الى لبنان، والذي أقل ما يقال فيه انه هتك حريم الدولة ومؤسساتها، ولم يراع الحد الادنى لوجودها مما "أحرج" الحكومة والرئاسة والسلطة الحليفة التي على عكس ما ادعى من الحرص عليها وعلى مشاعرها لو ما جاءت هذه البضاعة من البحر!! ( وكأن الاغتصاب من البر اقل احراجا !! ) 

 

 

المؤكد هنا ان كل ما تقدم من سلبيات وتداعيات سياسية هي غير خافية بتاتا على اصحاب القرار في الحزب، لينبري حينئذ السؤال البديهي عن الغاية والهدف الذي جعله يقدم على خطوة كهذه والضرب بعرض الجدار كل هذه السلبيات ؟

 

وقبل الاجابة عن السؤال، لا بد من الاشارة هنا ان صهاريج المازوت المتنقلة بين القرى والمدن، أعادتني بالذاكرة الى مرحلة أواخر الثمانينات حين كان حزب الله يعمد على نشر خزانات مياه الشرب في احياء الضاحية الجنوبية، والتي كانت موضوعة على جوانب الطرقات بلونها الابيض يتوسط جوانبه الاربعة علم الجمهورية الايرانية، وكانت هذه الخزانات مباحة لجميع المواطنيين القاطنين بالضاحية يقصدونها من كل حدب بسبب شح المياه وانقطاعها كليا يومذاك فالايام ايام حرب اهلية،  فكانت هذه المبادرة حينها تصنّف من المبادرات الكبرى وتعتبر من اهم بدايات دخول حزب الله ميدان العمل الاجتماعي ومحاولاته مقاربة حاجات الناس الضرورية، وتقديم نفسه اولا وايران قبلا بانها هي المخلص والمنقذ والملبي لحاجات الناس الحياتية.

 

  وبالعودة للاجابة عن السؤال أعلاه، فأنا أعتقد بأن الحزب وقيادته وأصحاب القرار فيه لا يزالون يعيشون داخل شرنقة تلك المرحلة الغابرة، وبالتالي فإن آليات تفكيره لما تزل غارقة في تلك الحقبة ولم يخرج منها بالرغم من كل المتغيرات الضخمة التي رافقت مسيرته، فبتلكم الفترة لم يكن عند الحزب كتلة نيابية ولا وزراء ولا هو من يشكل الحكومة ولا يسيطر على الاغلبية بالمجلس النيابي ولا يفرض على اللبنانين رئيسا للجمهورية، وبالرغم من كل ما ذكرناه من تحولات فإن الحزب لا يزال يعيش بعقله وتفكيره مرحلة خزانات المياه تلك ، ولم يخرج منها ولم يتطور (فالقيمين هم انفسهم والمسؤولون انفسهم لم يتغيروا ولم يتبدلوا تبديلا) ليدرك أنه الآن هو السلطة وهو الدولة التي يهاجمها وينتقدها من على المنابر والشاشات!، وهذا التفكير تحديدا يسعى دائبا ان "يشرنق" به جمهوره واتباعه وانه بالرغم من هيمنته على كل مفاصل الدولة إلا أنه يريدهم أن يعتقدوا بانه ليس هو المعني بأزماتهم ومصائبهم، وإنما هو لا يزال المنقذ ومعه ايران طبعا، بدليل استقدام القليل من صهاريج المازوت.

 

فبدل أن يكسر حصارا اخترعه وهو غير موجود، كان عليه أن يضغط وهو الحزب الحاكم الذي يؤلف الحكومات ويفرض رئيسا، باتجاه تنظيم قطاع وكسر احتكار شركات الطاقة بتحرير استيراد المحروقات وإلغاء ضريبة الدولة والتقليل من أرباح الشركات، هكذا ينهي طوابير الذل التي من الواضح أنها ستبقى، اللهم الا تحقيق غايات انتخابية وتجارية وتلميع صورة ايران بأسلوب قديم قد أكل الدهر عليه وشرب ولا ينطلي الا على ناخبيه البسطاء للاسف .