عندما يصبح الجنون فنون، ورفيقاً دائم الحضور في السياسة اللبنانية، ويمسي الهذيان سهلاًغيرممتنع فيها، ويسيران جنبا الى جنب ويضغطان بثقلهما على الواقع، لايبقى إلا الاعتصام بالبصيرة، والتحلي بالصبرعلى الفاجعة التي سببتها منظومة فاسدة وتافهة، تصاحب بلاءً يطل مع كل اشراقة صباح. وشمس ننتظرانوراها لتسطع بلا حدود علها تبدد طوابير لا تنتهي وظلاما ساد وتفشى كالوباء. هذه الحال تدفعنا الى فتح باب الخيال على مصراعيه لتقبل ما نحن فيه، فحبل الكذب طويل بطول خيبات الامل الممتدة منذ سنوات وعهود، كلام ووعود.                                                                                                    

 

      منذ زمن أنتشرت  "صلاة الاستسقاء" في اماكن اصابها الجفاف، وتقام عندما تجف الارض وتمسك السماء، فيتوجه الناس الى الله متضرعين طالبين منه"عون" السماء على "عون" الارض، مع إضافة ال التعريف" الى الاولى حتى لايحصل التباس" في الثانية. فهل كان تشكيل حكومة لبنان يحتاج الى صلاة ودعاء؟ ليس اقتداءً على امل النجاة من الشرير. بل جل ما نحتاجه عودة العقل من الاجازة المفتوحة. 

 

     بعد الانتهاء من ترميم السراي الكبيرفي بيروت اثناء اعادة اعمارها، اجرى محمد حسنين هيكل مقابلة صحفية مع الرئيس رفيق الحريري، وقد لفت نظر"هيكل" البذخ الظاهر في السرايا من ريش وثريات باهظة الثمن، وتساءل من اين المال؟والبلاد بالكاد خارجة من تحت الردم وفي حالة افلاس، قال الرئيس الحريري؛ انه تبرع من ماله الخاص لترميم السراي كي تليق بدولة لبنان. وسأله "هيكل" ان يوصف الحكومة؟ اجابه الرئيس ..هذه الحكومة " تلت تيوس، وتلت لصوص، وتلت لي". 

 

        قد يكون مجحفا الكلام عن حكومة لم تبدأ العمل بعد. لكن اللافت ان التشكيل أُفرج عنه بعد عمل مكثف ودؤوب لازالة اثار"عدوان" 17 تشرين. الذي اصاب المنظومة بحالة فزع وهلع شديدين، منعها من الظهورعلناً ولاشهر معلومات، وفرض "الحراك" اجندته، وطُرح  تمثيله في اية حكومة ستشكل انذاك. أما وقد نجحت المنظومة المتحكمة في التقاط انفاسها، والالتفاف على الحراك و"وأده" كأنه شيئاً لم يكن.

 

     ان  البيان الوزاري حبرعلى ورق، يمنح امل بلا عمل، آما الاصرار الدولي على اجراء الانتخابات في موعدها، مثل  العقوبات التي جمدت!  فمصالح الدول فوق كل اعتبار. ويبقى العهر والفجور السياسي سيد الساحة، وهو قادرعلى تحويل المطلب الدولي الى سبب لالغاء الاستحقاق. وكأن كلاماً قيل ولم يقل.

 

     الملفت تصريح الرئيس عقب التاليف، إن همه تفعيل العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وكما هو رجل اعمال "ناجح" يستفيد من الفرص المتاحة مثل "قروض الاسكان".يريد ان يكون سياسياً ناجحاً، فهل يطمح دولته في وراثة الحريرية السياسية حيث فشل الوارث في حفظها.  

 

      الدموع التي حُبست في مقلتي الرئيس مع الغصة التي اصابته وهو يتحدث عن هجرة الابن الاكبرلوالدة عاجزة عن تامين حبة دواء، الاجدى به وقد صنفته مجلة "فوربس" ضمن العشرة الاوائل من اغنياء العرب وأحد اثرياء العالم الذين يملكون ثروة خاصة. ان يكون قبطاناً رائداً واهباً، وليس قرصاناً عائما غانما، وهو المؤهل ان يشق طريق اخر يفتتحه بنفسه  اذا أراد، والاقدام على التبرع بنصف ثروته الى الدولة لو شاء ؟ ويوفرالدموع الغالية التي لا تُقَدر، لكنها لن توفر حبة دواء للمراة العاجزة. ان يشق طريق الذهاب الى خزينة الدولة ويملأها، عله يعيد بعضاً من التوازنً المفقود لدولة منهوبة، ويكون قدوة وقائد طريق في دولة لا يمكن ان تسير في اتجاه واحد ! 

 

     والتعهد باجراء انتخابات نيابية في موعدها، قد يعني "تتطيرها"؟ خصوصاً عندما نسمع حديث العصافير والضفدعة الطرشاء،...والفوطة التي َرَشحت اقتصاداً مغموراً بدموع انهمرت من سلف سلم الخلف اقتصاد مُرَشدْ ومدعوم بِمَحَارم حُرِم استعمالها! وقد اطلق احد الابواق "زموره" تعبيراًعن حنقه لتجاهله في التوزير، موضحا انه لو اختير كان سيتحدث عن الصيصان الحلوين، وحديث اللصيق"الببغائي" عندما ردد عبارة رئيسه المشهورة "شوهالشعب الطز". هل هذه مواصفات مطلوبة لاحقاً لمرشحي انتخابات ؟

 

     الوطن ليس حقيبة مملؤة، وفندقاً تحلو الاقامة فيه "وطني ليس حقيبة وانا لست بمسافر". ان الاستعانة بشعار الجيش " شرف تضحية وفاء" والعمل بمندرجاته الان، كما يعمل به الجيش الذي يقوم بواجبه الوطني في حفظ البلاد، يوفرالكثيرمما يحتاجه لبنان. لماذا انتظارالخارج؟ والبحث في رحلات تسول.  ماذا تفعل حيتان المال اذا احجموا عن "مد اليد" للوهب وليس للنهب، يجب محاسبة المتخلف في صندوق الاقتراع.

 

    الوطن بشرتنتظرفي طوابيرلتخرج منها لا لتبقى فيها. وتريد اصلاح لا يمكن ان يستمرعلى طريق الخداع والنهب. ماذا ينفع المرء اذا ربح العالم وخسر نفسه. وكما درجت العادة، بالتسويات تدوم النعم.  

 يروى ان احد البخلاء سقط في ترعة ماء، وتجمهرالناس حوله لانتشاله، واحدهم يصرخ "اعطني يدك" رافضاً مد يده  وكاد يغرق، اقبل رجل مستفسراً فاخبروه قال؛ اعرفه، هذا بخيل اعتاد ان يأخذ لا ان يعطي،  توجه اليه قائلاً: خذ يدي ..عندها تم انقاذه.