لبنان يعاني ما يعانيه من جحيم الازمات الرابضة على الصدور، والمتعددة العناوين والمضامين فإن ما ينتظره اللبنانيون، على وجه العموم، من الحكومة الميقاتية هو المبادرة السريعة، ومن غير تلكؤ، ترجمة الاقوال الى افعال والعمل لمواجهة التحديات الحياتية التي يعانون منها، من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب والجبل والبقاع والعاصمة بيروت، التي دفعت اثمانا غالية جدا، جراء ما تعرضت له و اصابها من ويلات من بينها تفجير المرفأ.

 

 

ما تسرب من معلومات عن صيغة البيان الوزاري تفيد انه لن يكون فضفاضا، ويستند في جملة ما يستند اليه، الى المبادرة الفرنسية ، والاعداد للإنتخابات النيابية ، كما ولاولوية حاجات اللبنانيين الحياتية والمعيشية والسياسية ، ليس من شك في ان اولى التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة تتمثل في استعادة ثقة اللبنانيين كما واستعادة الثقة العربية والاقليمية والدولية، واعادة وصل ما انقطع مع المحيط الخليجي وفي الطليعة المملكة العربية السعودية، والجميع يتطلع الى انجاز البيان ونيل الثقة في اسرع وقت ليبنى على الشيء مقتضاه .

 

 

قد يكون من المبكر الحكم على ما يمكن ان يؤول اليه وضع البلد، في ما تبقى من العهد ، مع تشكيل الحكومة الجديدة، بعد شغور لسنة وثلاثة اشهر، رغم تسليم الجميع بأنها ليست مثالية، ولو حاولت بالكلام المنمق تلميع صورتها على ابواب الانتخابات النيابية مطلع ايار المقبل .

 

 

يبدأ مجلس النواب اليوم، مناقشة البيان في الشكل والمضمون، وقد وصف بأنه خريطة عمل حكومة العهد الرابعة، وقد تبين انها لا تختلف في الجوهر والمضمون عن صيغ الحكومات السابقة  رغم محاولة التباين عن صيغ سابقة، تتعلق بالتعهدات التي قطعتها الحكومة على نفسها، دوليا وداخليا وهي الحكومة التي لن يتجاوز عمرها، التسعة اشهر الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية في الثامن من ايار المقبل.

 

البيان جاء مثقلا بالالتزامات والتعهدات الاصلاحية والمالية والاقتصادية، متجاوبا مع المطالب الدولية الملحة المتعلقة  بـالاصلاح  والهاجس المالي، وقد بدا ان الحكومة، من خلال بيانها، تعير اهتماما لافتا وجوهريا لمسألة التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي يشدد على اهمية وضرورة انجاز الاصلاحات الواردة في المبادرة الفرنسية التي اطلقها الرئيس ايمانويل ماكرون، من بيروت في اب العام 2020، الامر الذي عزز من قناعات عديدين وخلاصتها نيل ثقة الخارج الدولي، قبل ثقة الداخل، نيابيا وشعبيا، وهي مسألة بالغة الخطورة، ان مضت الحكومة في تقديم التزامات غير قادرة على انجازها.

 

 

إقرأ أيضا : معاناة الشعب اللبناني وحكومة الاختصاصيين المبطنة

 

 

 

هناك من نبه الى خطورة اللعب بنار الوعود التي لا تنفذ، ومع ذلك  وتداركا للانهيار المالي الذي تتوالى فصوله، يوما بعد يوم، فقد اكد البيان ان الحكومة، بعد نيلها الثقة النيابية، ملتزمة جملة مسائل، من بينها استئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي ، ومعاودة التفاوض مع الدائنين للاتفاق على الية لإعادة هيكلة الدين العام، ووضع خطة لتصحيح القطاع المصرفي وتنشيط الدورة الاقتصادية، والعمل على تصحيح الرواتب والاجور في القطاع العام. يؤكد البعض ان البيان الوزاري مثقل بالتعهدات المالية والاصلاحية والاستحقاقات الداهمة، وان البيان اكد التزام الحكومة اجراء الانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية، من غير ان تتجاهل المسائل الوطنية الكبرى والتزامات لبنان الدولية، ان لجهة التمسك بالقرار 1701، وان لجهة دعم قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، وتأكيد هوية لبنان الوطنية والعربية ووجوب تعزيز العلاقات مع الدول العربية الشقيقة.

 

لم يتجاهل البيان الوزاري التهديدات والخروقات الاسرائيلية المتمادية لسيادة وحقوق لبنان، برا وبحرا وجوا،مع تأكيد ثابتة ترسيم الحدود البرية والبحرية، وتحرير ما تبقى من ارض لبنانية محتلة والتمسك بحقوقه الطبيعية والقانونية، وبثرواته النفطية والغازية، برا وبحرا ، وذلك بشتى السبل والوسائل المشروعة، مع التأكيد على حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، ورد اعتداءاته واسترجاع ما تبقى من ارض لبنانية محتلة ، من دون تجاهل مطلب اقفال المعابر غير الشرعية على الحدود الشمالية والشرقية، وايقاف التهريب غير الشرعي.

 

 

بمعزل عن فرص نجاح أو فشل سياسة اللعب على الحبال والسعي لتحقيق المكتسبات من الجهات المتناقضة ثمّة ما يعني لبنان في لحظة التحولات الكبرى وهو الدفع في إتجاه إعادته إلى قمقم الوصاية بمعزل عن هويتها وهذا ما يحتّم التنبّه للوظيفة السياسيّة للحكومة الحالية، بموازاة دورها المحوري في المجال الاقتصادي وضرورة العمل الحثيث في إتجاه وقف الانهيار تمهيداً لتحديد عناصر النهوض.

 

 

الانظار تتجه الى الاتي من الايام، وما ستكون عليه، وتخلص اليه المناقشات النيابية، ولم يعد خافيا على احد ان منابر مجلس النواب ستكون ساحة للمزيد من المزايدات والبلد على ابواب الانتخابات، النيابية البلدية والاختيارية والرئاسية، واللبنانيون يضعون اياديهم على قلوبهم حذر التعهدات الثقيلة، وهم ما عادوا يسلمون بالتعهدات اللفظية، رغم ما يقال عن خطة شاملة مع حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، لرفع الدعم، الذي يشمل كل شيء ما عدا الامراض المزمنة، الأكيد أن لبنان سيجد نفسه مرّة أخرى امام مفترق طرق صعب والخيارات المتاحة ليست ورديّة.