بالتأكيد.. أنتم لا تعرفون عبد الإله، معذورون، أصحاب النفوذ والسلطة لانشغالكم في المجرات الكونية والأجرام السماوية، دعو الناس في غفلتها، هكذا قال السلف والخلف عن الأجداد، لأنَّ الغفلة درعٌ لصاحبها تقيه جوع الدنيا وعذاب جهنم، تقيه حب الشهوات من الأموال والنساء والسلطة والزعامة والرياسة والنيابة والنيافة، وتقيه الفتون والفنون، فاتركوهم وذروهم في غمرتهم وغفلتهم وحيرتهم حتى يطويهم الرَّدى ويبتلعهم يومهم الذي كانوا يوعدون (وكأيِّن من دابَّة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإيَّاكم).

 

 مات عبد الإله، فأنتم لا تعرفونه لأنكم أغنياء وأقوياء ولصوص وسماسرة وأمراء مال ونهب وتجَّار (وتشبيح وسلبطة) ساعدكم حظ التشبيح مع الأولاد والأزلام والحواشي والغواشي والحواري والجواري، وأما عبد الإله بلع الهواء وذهب إلى الجحيم في بلد الماء والهواء والنفط والشفط، لأنكم لا تعرفون التعب والعرق ولم تنظفوا مجاري منازلكم وحماماتكم (الجكوزية الجاكوزية) ولم تغيِّروا زبال الحي والشارع ونواطير بناياتكم الشاهقة الباسقة، الذي يحمل أوساخكم وقذارتكم وقذرتكم مع أوساخ نسائكم وأولادكم، أنتم لا تعرفون الوقوف في صفوف الطوابير والطواحين، أنتم لا تعرفون زحمة الطرقات والشوارع والأزقة لتعبئة سياراتكم ودرجاتكم ورنجاتكم، فقط تعرفون ركبها وركوبها وتفتحون زجاجكم لتبصقوا على عبد الإله وعلى المارَّة لأنهم هوام الله في الأرض، وتدَّعون أنكم آلهة وتنسون أنكم من نطفة ومن منَّيًّ يُمنى، وأنتم ليس من عادتكم الوقوف أمام بائع القهوة والكبريت والمحارم والعلكة والقدَّاحة والنربيش والرنش والمفك، وليس لكم عادة الوقوف أمام بائعي الأحذية البالية والملابس القديمة، أنتم بالتأكيد لا تعرفون أنَّ عبد الإله هو مثلكم تماماً، وليس كلباً يلهث ويبسط ذراعيه ليتقن فنَّ التملق، لأنه أقل منكم ثقافة ولياقة، ولم يقرأ الكتب السماوية والفلسفية والحكمة وأسرار الكون والخلق، لم يقرأ فن السياسة والقوانين، ولم يعرف شكسبير وميكافيلي، ولم يعرف المائة وعشرين ألف نبي ووصي، ولم يقرأ قصصهم لأخذ العبرة والإعتبار، لم يعرف رواية باولو كويلو في (إحدى عشرة دقيقة) ولا رواية (المومس) ولا يعرف شيئاً عن رواية (ذاكرة الجسد)، قطعاً إنَّ عبد الإله ليس مثلكم يحب الجمال ويفتتن به، والطبيعة وجمالها والنظافة وحلاوتها بطلاوتها، لكنه مثلكم تماماً يملك حيِّزاً من فراغ أرض الوطن، أنفاسه كأنفاسكم تماماً تزيد في حرارة الهواء وتدفئة قبور الموتى في تراب الوطن فيزيد في رطبها ورطوبتها، هو عبد الإله ينام مثلكم لكنه يستيقظ باكراً موجوعاً متألماً، قطعاً ليس مثلكم ينام مخموراً ومجروراً، لكنه يمارس مثلكم فقط بلا فنون وعرض واستعراض، إنه عبد الإله الكائن الحي الذي يتنفَّس، الحمد لله وصدق الله العظيم، فيمتاز عنكم بحفظ بعض آيات القرآن الكريم، قطعاً لا تفوته صلاة الشفع والوتر وقرآن الفجر، لكنه حاول مثلكم أن يكون خاشعاً راكعاً متصدعاً، فشل في خشوعه، وعندما أفاقت الشمس من نعاسها خرج باكراً لسعي الرزق، لكن الرزق مقدَّر، ليس مثلكم، وقبل دخوله إلى ملحمة (البدوي) وجد كيس فيه وقية لحمة، أخذه بلا تردد، ولم يعذِّبه دينه وضميره لأنَّ الكيس لم يكن محروزاً في حرز، لكي تقطع يده، لم يكن سارقاً ـ الحمد لله ـ لكن عبد الإله مات؟ ولا أحد يعرف كيف مات؟ يقولون مات على محطة الوقود، ويقولون مات بجلطة دماغية، ويقولون مات عند حاوية الزبالة، ويقولون مات وهو ينظف مجاري البالوعات والبلاَّعات.

 

 

وتعددت الأقوال في كيفية موته، ولكن أذكروا محاسن الموتى، وموتاكم، لأنَّ للموت كرامة؟ لا أحد يوقظه وهوام الأرض والوطن، لكي لا تُتهم بإزعاج السلطة والسلطات، وإلاَّ فالتهمة جاهزة، بلاغ كاذب، فاقرؤوا ما تيسَّر من سورة الرحمن، لأنه ميِّتٌ تأجَّل دفنه، الفاتحة....