اهم عناصر الحضارة  تتجلى في أطر الحياة الجماعية  وتفاصيلها اليومية، ومكمن الخلل والخراب الذي حل على لبنان بثقل لم يعهده منذ اعلانه كبيرا. مرجعه الخروج عن الأسس التي نشأ عليها، والانقلاب في سياسته خارجياً، و"التغيير" الذي حدث معطوفاً على "اصلاح"  الفساد الذي استشرى داخلياً، وتحول الى إفساد الاصلاح في موسم البرتقال الذابل، وتوخياً للدقة  فقد صلح الفساد وفسد الاصلاح... "لكن ان فسد الملح فبماذا يملح؟! لايصلح لشيء إلا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس".  

 

  الفساد في اللغة ضد َصلُحَ، جاء في لسان العرب: الصلاح ضد الفساد، والاصلاح اعادة تقويم الشيء واتمام ما يعتريه من نقصان يفسد وظيفته. فهل كان الوفاء عهداً والتنمية  تحريراً وإعادة تقويم لبعث القوات ومستقبل َعَوَمَا اصلاح وتغيير لِيُبْدِيا اسفاً متأخراً لا نفع منه بعد خراب البصرة!؟ ولسوف تكون جهنم النعيم الابدي لمن سعى جاهداً للوصول اليها.

 

   ان ما حصل سببه وجود  هذه السلطة المتكافلة المتضامنة  بالرغم من التناقضات الظاهرة والمضمرة بين مكوناتها، وسيطرتها بافعال زينتها، وشعارات رفعتها هيمنت فيها على الدولة، نهبتها، شلعتها، مزقتها. وتحاصصتها اشلاء في شوارع  وازقة  وزواريب، وإن بنسب متفاوتة يخجل منها الانحطاط في عصورالانحطاط. فعندما تتحول البلاد الى ساحة جنون وعراك  وتخويف  دائم من اقتتال "الاخوة الاعداء"، وتمسي الاحياء أشبه بكهوف  ومغاور الانسان البدائي، اين  منه انسان لبنان اليوم من"انسان النندرتال". حينها  يفقد المنطق دوره كوسيلة للتعامل مع هذا الواقع المجنون،  وتختلط الامور وتزداد الاوضاع سوءاً وصعوبة مع استمرار التفكك والانهيارفي المؤسسات تحت شعار "التغيير والاصلاح" حيث يشجع على استفحال الاوضاع  واستجرار الاشكالات وانتاجها وتوليدها لتشكل ضغوطاً متزايدة على تفاصيل الحياة اليومية في مسارها ومرساها. 

 

    وتتعطل قناعات الناس وقدراتهم الطبيعية ومفاهيمهم المتوارثة وعلومهم المكتسبة. فيعجزوا عن اداء أدوار تميزهم عن حالات اخرى   كان يُطلق عليها احد السياسيين سابقاً "زحافات".هذه الزحافات تتماهى بقناعاتها ومفاهيمها و"علومها" مع حفل الجنون السائد، وتكون النتيجة  هزيمة نكراء للعقل، وانتصارمدوي للجنون.  ومع تراجع  الاول وتقدم الثاني عليه، تصبح الحياة حقيقة  مُرة لا تطاق، خصوصا عندما ’يدفَعْ شعب باكمله لينهش بعضه بعضاً، ويقتصر صحنه اليومي  على "أيا محطة عم تعبي" ؟ و" راحت الدولة إجا الاشتراك".!  فلماذا نحن محاصرون يومياً بالفساد؟ 

 

  وكي لا يفقد السؤال معناه؛ تقول حكمة فارسية قديمة: "لو رمى مجنون صخرة في بئر لما استطاع مائة عاقل اخراجها". وفي زمن يندر فيه وجود عقلاء في ادارة السياسة والمجتمع، يتصرف المحتكرون وهم في قمة ايمانهم وصلواتهم بوحشية غريبة، بعيداً عن الانسانية والاخلاق فضلا عن المسؤولية الاجتماعية. 

 

      ان العثور على ادوية لامراض مزمنة وغيرها، مخزنة بكميات كبيرة، منها ما تنتهي صلاحيتها،  فيتم  اتلافها  و"اتلاف المرضى" معها، أو تتم مصادرتها احياناً بعدما يسبق السيف العذل،  في حين يعاني المرضى اوجاعاً وعذابات لا تحتمل، فأي احتكار هذا؟! والانقطاع الدائم للكهرباء  أفقَدَ البعض حياتهم نتيجة نقص الامداد بالاوكسجين لعدم توفرالطاقة، فأي تقنين هذا!؟  انها  جريمة حرب. وإعدام جماعي لشعب  بأكمله ’وضع في حالة خوف وقلق دائمين من فتنة  يستحضرها اصحابها متى شاؤوا خدمة  لمصالحهم ولبث الخوف عند الاخرين. يقول نجيب محفوظ : "الخوف لا يمنع الموت لكنه يمنع الحياة".  

 

 

 

 

   تؤدي هذه الحالة الى اختلاط الامور وتداخلها مما يعطل اي محاولة  جدية للنهوض. فلا يبقى  معنى للمبادرات والمداولات والمشاورات.  بل تسود حالة بهيمية تتخطى الواقع. ثم يحدثونك عن انتصارات لا تنتهي، ولا يتحدثون عن نجاحات الاصلاح  والتغيير في زيادة نسبة الفقر المتعدد الابعاد الى اكثرمن 80 بالمائة من الشعب اللبناني.  

 

  كي لا يفقد السؤال معناه مرة اخرى إن اكثرالكلمات تداولاً كلمة "فساد". ويتم تدوالها من باب الاجترار لأن أكثرمن يستخدمها الفاسدون، والمدمنون على الفساد.  من نائب  ووزير، وموظف متعاقد أو أجير، وشرطي سير وخفير.   

 

  ان التغيير لا يستقيم في مجتمع  يستشري فيه التخلف والتزمت والتعصب، ويرفض فيه حامل راية الاصلاح والتغير اي رأي يخالف رأيه، ولو كان الاصلح، يهتم بالقشور واصدار التهم المثلجة، والاحكام الجاهزة لكل ما يشكل عقبة في وصوله الى مبتغاه الشخصي.  فباب التغيير والاصلاح يبدأ في الاعتراف بالاخطاء وممارسة النقد الذاتي الذي يدخل في العمق المعرفي بالوضع العام والخاص.  والكلام المفرط  في الفساد تجاوز حدود النفاق،  بإستخدام شعارات كبيرة تصدر رنيناً كالذهب لكن تحمل  طنيناً كطنين الذباب، وبين الرنين والطنين يستمر النهب الشامل والممنهج  لبلد محكوم من شياطين سياسية تنجح في وسط راي عام منافق وجاهل وامي.

 

يقول الشاعراحمد مطر:

نحن يا سادة 

شعب منافق منذ الولادة

نتملق بعضنا جهراً

ونأكل لحم بعضنا سراً

لا نفهم الحب بغير وسادة، ولا نعرف عن الله غير فروض العبادة .