بعد انجازه العظيم بانشاء  جمهورية  العتمة والطوابير، خلال سنوات "ست" قضاها في القصر محققاً حلماً راوده، و الآن يعمل بحيوية ونشاط على ردفها سنة اخرى لتكون "سبعاً عجافاً" بالتمام  والكمال  تطابقا مع حلم فرعوني شكل  له  كابوساً،   فهل يرحل  من القصر ثانية آمنا مطمئناً بعد ان حقق حلمه؟  مضافاً إليه  ضمان مستقبل "العزيز". أو يخرج منه كما دخله اول مرة، تحت هدير الطائرات الحربية. هذا الامر قد لا يحصل لأن خطوط السماء غير سالكة، وأسواق البيع والشراء مقفلة، فالزرع  يبس، والضرع جف، وبدأ الانسحاب من الشرق. حيث لا تنفك الدعوات الى التوجه إليه.

 

     غريبة حيوية حالة الكساد هذه!  وما ينتج عنها، مع الاستمرار في مهزلة تشكيل الحكومة. وهي جريمة موصوفة مضافة ترتكب بعقل بارد وبمشاركة الكل. بحق ما تبقى من الدولة والشعب، وهذا يثبت  مجدداً صحة  شعار"كلن يعني كلن" الذي َوهَنَ وكاد ان يفنىَ.  فهل نسي فخامة الرئيس "قسم اليمين" الذي اداه في "مجلس الشرائع"  الذي ينص على حفظ الوطن والدستور والعمل بموجبه.

 

     ان تغذية العصبيات وانتاج الكراهية بين "مكونات" البلاد تحت مسميات شتى مثل استعادة صلاحيات، بذريعة المحافظة على حقوق الطائفة، وما يجود به فقهاء القصر القانونيون من بدع لا حدود لها. ليست انقلابا على الدستور، وليست خرقاً فاضحاً للقوانين. وليست تهديداً لكل الطوائف بما فيها طائفة الرئيس. هم يتصرفون ببساطة وفق مقولة الملك الشمس لويس الرابع عشر: "انا الدولة والدولة انا".

 

 

إقرأ أيضا : أفغنة العرب

 

 

      يواجه إلحاح المجتَمَعَين، العالمي والعربي والمنظمات الدولية.  على  تشكيل حكومة  في لبنان. ليتسنى لهم من خلالها  تقديم عون ومساعدة ضرورية لوقف النزف المستمر والانهيارات المتتالية. بإصرار اصحاب الحل والعقد، وذوو الشأن  العام المناط بهم اجتراح  الحلول،  وليس الأتيان بمعجزات، على التصرف بدم بارد على طريقة "اذا مش التنين الخميس" وكأن لعبة اللوتو انتقلت الى ادارة سياستهم وتوجهاتها. هذا ما يظهر من لقاءات ومشاورات وزيارات لا تعد. لكنها تحصى مرفقة بمغلفات ذات الوان غير مختلفة، تعود كما ذهبت. حاوية اسماء  لتملأ فراغاً في شبكات  غير متقاطعة،  سرعان ما يتراجع عنها اولي الامر، وهم متكئون  على وسائد حريرية. يشربون من كؤوس  باردة، 

 

وبميقات معلوم، حتى   لا تتقطع امعاءهم.   ومن باب تمضية الوقت واللهو، فما السياسة والحياة عندهم إلا لهو ولعب.  يوجهون رسائل الى "مجلس الغرائب والبدع". للايحاء انهم قانونيون ودستوريون. وهذا ما دفع فقيهاً قانونياً ،ومرجعاً دستوريا كبيرا"ً.في زمن قل فيه الكبار. د.حسن الرفاعي  الى دحض مهاتراتهم في مقالة توضيحية. لكن لا حياء ولا حياة.    

 

      ان مهزلة التكليف، والتطفيش، والتأليف، التي تجري واختلاق الذرائع الواهية والباهتة لاستمرارها نهج  يمكن مقارنته  بحلم  فرعون حيث لا يستطيع  تأويل حلمه  وتمديده إلا العزيز. لماذا "لتمديد"؟ لأن أمنية "المؤول" تمديد الايام السعيدة. وطرح سؤال عن قضية تحدث الآن، او حدثت سابقا وما زالت مفاعليها مستمرة، يقتضي حلها بالتفكيرمثل البشر كبشر.

     حلم  تحقق سابقا. ما زالت مفاعيله قائمة حاضراً. تحليله  يساعد في تظهير موقف ملتبس يساعد على الرؤية اكثر. وهل نريد العمى؟  ورفض اي محاولة تساعد على الابصار؟  وهل نحيا في دولة العميان ؟؟

     واقعنا أشبه بقصة الروائي الانكليزي "هيربرت ويلز" تحت عنوان "بلد العميان"  يتحدث فيها المؤلف عن مرض غريب انتشر في قرية نائية، تقع على احد جبال الانديز. واصاب المرض سكانها بالعمى. وانقطعت اخبارهم عن العالم وعاشوا  في عزلة وانجبوا ابناء عمياً. ولم يكن بينهم مبصر واحد. 

 

     ذات يوم  بينما  كان متسلق جبال اسمه "نيونز" يمارس هوايته  المفضلة، زلت قدمه فسقط عن قمة جبل شرق القرية. ووقع مغشيا علىيه لتتلقفه أغصان شجرة معمرة، انقذته من الارتطام بالارض. ولم يصب باذى.  نهض وراح يفتش عن احد يأنس به، لفت نظره رؤية  منازل السكان بلا نوافذ، وجدرانها مطلية عشوائياً، فحدث نفسه قائلاً: ان الذي بنى هذه البيوت اعمى. ولما توغل في القرية كان الناس يمرون به ولا احد يلتفت اليه .أدرك حينها انه في بلد العميان. ذهب الى مجموعة منهم، وعرف عن نفسه والظرف الذي اوصله اليهم. وكيف ان الناس في بلده يبصرون ... أمطروه بوابل من الاسئلة: ما الابصار؟  كيف يتم؟  بأي طريقة؟...  لم ينجح "نيونز" في شرح معنى البصر لهم.  فسخروا منه،  وتهكموا عليه. واتهموه بالهذيان والجنون.  وظناً منهم إن عيناه مصدر هذيانه وجنونه .قرروا إقتلاعهما. حيث فرمنهم قبل ان يقتلعوا عينيه...متسائلاً:  كيف يصبح العمى صحة،  والبصر مرضا ؟!