في ظل هذه المعطيات، تبدو الفوضى اتجاهاً حتمياً في البلاد، لاسيما وأن لبنان يعيش مرحلة ما بعد انهيار النظام الاقتصادي والمالي، ومعه النموذج الاقتصادي اللبناني الذي ساد البلاد لعقود طويلة.
 

لم يسلم اللبنانيون، على وجه العموم، من عذابات المنظومة  السياسية القابضة على القرارات، وبقي التخبط العشوائي سيد المواقف في اليوميات اللبنانية المتتالية منذ اشهر، وطوابير الذل تنتظر غالون بنزين او مازوت وجرة غاز او ربطة خبز وحبة دواء وكوب ماء، ولم ترسو التشكيلة الحكومية المطلوبة بإلحاح، خارجيا وداخليا، على شاطئ الامان، خصوصا وان منسوب الايجابيات المفترضة، يتراجع، وكأن شيئا لم يكن، حيث استنتج عديدون ان لا حكومة انقاذ في المدى المنظور،الا اذا الشرطية؟!. 

 

لم يحمل اللقاء الثالث عشر بين الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي أي جديد في ما خص تشكيل الحكومة في حين اكتفى ميقاتي لدى خروجه بعد اللقاء بعبارة انشالله خير، بانتظار اللقاء الجديد وما يمكن ان يحمله من نتائج وحلحلة للعقد.

أوساط متابعة لم تشر الى ظهور بوادر ايجابية قد تفضي الى تشكيل الحكومة في وقت قريب، لافتة الى أن العقد ما زالت على حالها وتتطلب المزيد من الوقت لحلحلتها . وعلى هذا الاساس يحاول ميقاتي قدر المستطاع تدوير الزوايا علّه في نهاية الامر يتوصل مع عون الى قواسم مشتركة تساعد على ولادة الحكومة. 

وكشفت الاوساط المتابعة انّ العقدة ليست في الحقائب، ولا في الاسماء، بقدر ما هي ماثلة في أنّ عون والصراع الذي خاض مع تيّاره الوطني الحر وبدعم واسع من حليفه حزب الله مع الرئيس سعد الحريري ومعه السفير اللبناني في ألمانيا بعد تكليفه تأليف الحكومة وقبلهما مع الرئيس تمّام سلام ليس صراع أصحاب شخصيّات مُتناقضة فقط وهي كذلك، بل هو صراع إرادات محليّة طائفيّة ومذهبيّة حادّة، وصراع إرادات إقليميّة قوميّة ومذهبيّة ليس فقط على من يحكم لبنان وبأيّ صيغة وأيّ ميزان قوى طائفيّ ومذهبيّ، بل أيضاً على من تكون له الكلمة في المنطقة الآن وبعد استقرارها.

 

 

إقرأ أيضا : لبنان ورقة على طاولة التفاوض الاميركي الايراني

 

 

ما تدل عليه الوقائع تؤكد تفليسة المنظومة اياها، وطنيا وسياسيا واخلاقيا، وما كشفت عنه التسريبات تشير الى ان المساعي تراوح.  عند جملة نقاط خارجية، من بينها الفيتو الاميركي على كيفية تمثيل حزب الله وحلفائه، وداخلية تتمثل بفرض رئيس الجمهورية ميشال عون شروط قديمة متجددة، تهدد ما تبقى من فرص للخروج من مأزق تأليف الحكومة وهو، اي الرئيس عون، يمضي في وضع العراقيل متمسكا بشروطه واملاءاته وحصته الوزارية والثلث المعطل تعزيزا لحضوره السياسي في بيئته الشعبية الانتخابية. 

 

لذلك هناك مسرحيةٌ يتمّ إلهاء الرأي العام بها، بهدف تقطيع الوقت، اسمها تأليف الحكومة، والأنكى هو تسريب الشائعات الممنهج للإعلام، عن تعقيداتٍ تتعلق بالحصص والأسماء والحقائب، فيما جوهر عقدة التأليف موجود في مكان آخر لا نيَّة لإنتاج حكومة فاعلة في هذه اللحظة، والمطلوب إبقاء حكومة حسّان دياب حتى تحترق بالكامل وتحميلها كل موبقات المرحلة. 

 

فولادة الحكومة في لبنان تستلزم الحدّ الأدنى من تسوية يتمّ التوصل إليها داخلياً. وهذا الحدّ الأدنى الداخلي يستحيل تحقيقه إلاّ إذا توافر الحدّ الأدنى من التسويات إقليمياً، وجاء الإذنُ به من الخارج.

والانتظار المطلوب يعني الغرق أكثر فأكثر في الاهتراء. فلا أحد في الخارج ينزعج من الاهتراء ما دام محصوراً داخل الحضن اللبناني. وعلى العكس، يراهن كل من الإيرانيين والأميركيين والإسرائيليين والعرب على استخدامه ورقة ضغط على الخصوم ووسيلة لتحقيق المكاسب.

 

ومع كل ذلك، سيكون لبنان مستعداً للانخراط في المجهول، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، خلال المرحلة القليلة المقبلة. وإذا كانت هناك قوى خارجية تريد الاصطياد في الماء اللبناني العكِر، فسيكون ممكناً ان يبقى البلد في حال من الفوضى وعدم الاتزان حتى يتمّ إنضاج الخيارات الكبرى على مستوى المنطقة.

 

في ظل هذه المعطيات، تبدو الفوضى اتجاهاً حتمياً في البلاد، لاسيما وأن لبنان يعيش مرحلة ما بعد انهيار النظام الاقتصادي والمالي، ومعه النموذج الاقتصادي اللبناني الذي ساد البلاد لعقود طويلة.