هل تولد الحكومة خلال الأيام القليلة المقبلة وتمرّ من ثقب الباب الموصد بأقفال داخلية وخارجية، ام انّ الرئيس نجيب ميقاتي سينضمّ الى نادي رؤساء الحكومات.. المعتذرين؟ الواضح انّ الجواب النهائي لم يعد متأخّراً، أما الغامض فهو مضمونه، وسط ترجيحات متضاربة.
 
عندما أبدى الرئيس ميشال عون الإستعداد للتعاون مع ميقاتي عشية تكليفه، كان يعرف انّه ليس الخيار المفضّل بالنسبة اليه، لكنه الممكن في هذه المرحلة. وكذلك عندما وافق ميقاتي على تشكيل الحكومة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، كان يعلم أنّ عون ليس الشريك المثالي وإنما الحتمي بقوة النص الدستوري والتوازن السياسي.


 

على قاعدة هذه الواقعية، قرّر كل من الرجلين ان يعطي نفسه والآخر فرصة كاملة، ولكن غير طويلة، للوصول إلى التفاهم المطلوب على الحكومة المقبلة.

 

هي خطوبة سياسية لم يفرضها «الحب المتبادل»، بل تقاطع موضعي للمصلحة، قد يتطور نحو «زواج» تحت سقف الحكومة، وقد يتدحرج في اتجاه الانفصال، وبالتالي، فإنّ كل الاحتمالات تبقى واردة في الأيام القليلة الفاصلة عن اتخاذ القرار النهائي.

 

أصحاب الانطباعات المتشائمة اختصروا المسافات وبدأوا يروجون أنّ ميقاتي اقترب كثيراً من قرار الهبوط الاضطراري وتقديم الاعتذار، لافتين الى انّ الوقت الذي استهلكه حتى الآن في سياق سعيه الى تشكيل الحكومة، كان كافياً حتى يشعر أنّ هناك قراراً مضمراً اكبر منه، وحتى من عون نفسه، يقضي بعدم تشكيل الحكومة حالياً في انتظار إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية المبعثرة، ليتبين أين سيكون موقع لبنان بينها، لكي يُبنى على الشيء مقتضاه.

 

الّا انّ الصورة لا تبدو بهذه السوداوية من منظار المواكبين لميقاتي في مهمة التنقيب عن «النفط الوزاري» في «بلوكات» الطبقة السياسية. وعلى ذمّة هؤلاء، فإنّ ميقاتي لا يزال يتصرف على اساس انّ فرصة التأليف موجودة حتى الآن، وتتقدّم بالنقاط على احتمال الاعتذار الذي يبقى مطروحاً، انما من دون أن تكون الأرجحية له، أقله الى حين انتهاء «الشوط الأخير» من المفاوضات هذا الأسبوع.


 

وبناءً عليه، أصبح من الأكيد تقريباً أنّ ميقاتي سيحسم أمره قبل بداية ايلول المقبل. فإما انّ ينجح في التشكيل، وإما ان يبادر الى الاعتذار الذي لن يشبه هذه المرة ما سبقه، وستكون له تداعيات وخيمة على صعد عدة.

 

ويلفت المطلعون، الى انّ كلاً من عون وميقاتي أصبح يفهم الآخر ويحفظه بعد الجلسات والمداولات التي تمّت بينهما، واستطراداً صار معروفاً أي تركيبة حكومية يمكن أن تكون مقبولة منهما ووفق أي توازنات، وهذا يعني انّ أوان حسم الخيارات والنيات نهائياً قد حان بالنسبة إليهما.

 

ولحظة الحقيقة دنت ليس فقط من رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، بل انّ مجمل الطيف السياسي المشارك في التفاوض بات على المحك، وصار عليه ان يتحمّل مسؤولية الدفع في اتجاه التشكيل او الاعتذار، كما يوضح المطلعون على كواليس الأخذ والرد، مشيرين الى انّ شكل النهاية يتوقف على ما ستؤول اليه حسابات الربح والخسارة التي تجريها في الأمتار الاخيرة القوى السياسية الشريكة في منح الثقة او حجبها عن الحكومة المفترضة.

 

ويعتبر هؤلاء، انّه يجب اختيار واحدة من وجهتين: إما الذهاب في اتجاه ترحيل الحكومة حتى إشعار إقليمي ودولي آخر، مع ما سيرتبه ذلك من تفاقم إضافي للأزمات الداخلية، وإما سلوك منحى تخفيف حدّة الانهيار وإدارة الازمة بأقل الخسائر الممكنة، عبر حكومة متجانسة، في انتظار اتضاح مصير الاستحقاقات الخارجية.

 


الأمر الثابت، وفق «الميقاتيين»، هو انّ الرئيس المكلّف يريد حكومة امس قبل اليوم، وإلّا ما كان ليقبل التكليف اساساً، «وعلى الآخرين ان يُظهروا المقدار نفسه من التعاون والإيجابية حتى تتمّ الولادة المنتظرة هذا الأسبوع». والمهم في رأيهم انّ اي تدوير للزوايا لن يكون على حساب نوعية الوزراء الذين يجب أن يتحلّوا بالجدارة والنزاهة «لأنّ التحدّيات ضخمة وتحتاج الى أصحاب خبرة واختصاص ضمن فريق عمل متجانس ومتناغم، لمواجهتها والتغّلب علبها، وهذا المعيار سيكون اساسياً في التشكيلة التي سيقترحها ميقاتي على عون».

 

ويختصر أحد القريبين من الرئيس المكلّف المعادلة الراهنة بالآتي: «نحن في هذه الايام امام فرصة اخيرة للبلد وليس لميقاتي، وليس لدينا سوى الأمل في ان يجري التقاطها قبل فوات الأوان والغوص اكثر فأكثر في قعر الهاوية».