حالتان فقط تستوجبان من «حزب الله» استخدام سلاحه في مواجهة إسرائيل: الحالة الأولى والأساسية تتعلّق بالسياسة الإيرانية الإقليمية وتبادل الرسائل بينها وبين واشنطن وتل أبيب. والحالة الثانية تعود لاعتبارات لبنانية تتراوح بين التذكيرية وتوظيف العامل الإسرائيلي لتغيير المعادلات الداخلية.

قرار الحرب والسلم الذي يفترض ان يكون بيد الدولة اللبنانية ليس موجوداً في حارة حريك كما يظن البعض، إنما في طهران نفسها، حيث انّ ورقة بهذه الأهمية لا تسلّمها القيادة الإيرانية للحزب، إنما تبقيها في يدها مباشرة، فيما تترك القرار له في كل ما يتصل بالحياة السياسية اللبنانية، ومن هنا ضرورة التمييز بين الحزب بدوره الإيراني وهو في موقع المنفِّذ لتوجيه رسالة باتجاه إسرائيل او المشاركة في الحرب السورية او القيام بأي عملية أمنية في اي دولة في العالم، والحزب بدوره اللبناني الذي يعود القرار فيه إليه وحده، ولكن بانسجام كامل طبعا مع التوجه الإيراني العام.


 

وما تقدّم ليس انتقاصاً من «حزب الله» ودوره، إنما هو تعبير عن واقع الحال لسببين أساسيين: لأنّ «حزب الله» هو أحد أذرع إيران الأساسية، وهو إيراني المنشأ والعقيدة والتوجُّه والتسلُّح والتمويل، ولأنّ الصراع مع إسرائيل هو صراع إيراني وورقة إيرانية سعت لانتزاعها من القوى العربية والاستئثار بالمواجهة وربط النزاع معها، من أجل ان تدخل على خط هذا الصراع تعزيزاً لأوراقها التفاوضية مع واشنطن من جهة، ومن أجل ان تكون لاعباً أساسياً في الشرق الأوسط من جهة ثانية، وذلك في إطار الدفع باتجاه توسيع دورها ونفوذها.

 

ولا يخرج الدخول المباشر لـ«حزب الله» على خط المواجهة مع إسرائيل عن سياق المواجهة التي تخوضها طهران مع واشنطن في ظل تعثُّر المفاوضات النووية في فيينا، وحرب السفن، والضوء الأخضر الأميركي لتل أبيب بالرد على استهداف إيران لناقلة إسرائيلية قبالة سلطنة عمان، وبالتالي وجهّت طهران صواريخها باتجاه إسرائيل عن طريق «حزب الله» في رسالة مفادها انّ اي هجوم تتعرّض له سيدفعها إلى فتح كل الجبهات في المنطقة.

 

ولا تعني الرسالة الإيرانية التي نفذها الحزب عن سابق تصور وتصميم في مساحة غير مأهولة تجنباً لردّ إسرائيلي انّها على استعداد فعلاً لفتح كل الجبهات، فالرسالة تأتي في سياق التلويح، خصوصا في ظل الشعور الإيراني انّ رهانها على إدارة أميركية مختلفة عن الإدارة السابقة لم يكن في محله، حيث انّ الإدارة الجديدة لن تمنح إيران اي اتفاق كما كانت تعتقد، وأكثر من ذلك لن تتردد واشنطن في توجيه ضربات مباشرة ضد مواقع إيرانية او إعطاء الضوء الأخضر لتل أبيب لتتولى ذلك.


 

والثابت في هذه الصورة انّ طهران المحشورة إقليمياً قررت استخدام أوراقها ومن ضمنها ورقة الجنوب اللبناني عن طريق «حزب الله»، ولكن اي متابعة لردود الفعل الإيرانية تثبت انّ الأخيرة لا تُقدم على خطوات انتحارية والدليل انها ليس فقط لم تفتح حرباً على مقتل القيادي الأبرز في هرميتها وصفوفها قاسم سليماني ومعه أبو مهدي المهندس كما كان يُفترض، إنما تجنبّت الردّ لإدراكها انّ من يغتال سليماني ويعترف بذلك لن يتردّد بإعلان الحرب، وهذا يعني انها تقيس بدقة ردود فعلها وانعكاس هذه الردود، وبالتالي تدرك جيداً انّ إقحام «حزب الله» في مواجهة مع إسرائيل في هذا التوقيت بالذات يعني التضحية بأقدم ذراع لإيران وأبرزها على الإطلاق، وذلك لثلاثة أسباب أساسية:


 

السبب الأوّل يتعلّق بميزان القوى في المنطقة الذي لا يتناسب مع إيران: مفاوضات متعثرة في فيينا؛ مناخ دولي متشدِّد مع طهران؛ حزم أميركي والعودة إلى مبدأ الربط بين النووي والدور الإيراني؛ استنفار إسرائيلي ضد إيران ويحظى بتفهُّم أميركي؛ مفاوضات إيرانية-سعودية؛ قيادة عراقية منفتحة على واشنطن والرياض وتعمل على الحدّ من النفوذ الإيراني داخل العراق؛ سوريا الحليف الاستراتيجي لإيران خارج المعادلة؛ اتفاقات سلام بين تل أبيب وعواصم عربية عدة؛ مأزومية إيران في اليمن والعراق وسوريا ولبنان...

 


السبب الثاني يتصل بالتوجُّه الإسرائيلي للردّ بعنف شديد في حال اندلاع اي مواجهة مع «حزب الله» على طريقة الرد على «حماس» مؤخرا باعتماد أسلوب الأرض المحروقة في ظل بيئة دولية وإقليمية غير مساعدة للحزب، حيث يختلف الوضع جذرياً عمّا كان عليه إبان حرب تموز 2006 انطلاقا من العوامل المشار إليها أعلاه، وفي ظل بيئة لبنانية غير مؤاتية إطلاقا وعلى أكثر من مستوى: انهيار مالي، احتقان شعبي، فراغ سياسي، دولة ضعيفة ومفككة، ضغوط هائلة على القوى الأمنية، عدم تفهُّم شعبي لأي حرب يفتحها الحزب، جرأة استثنائية ضده داخل بيئته، ورأي عام لم يعد يهاب سلاحه: من أحداث خلدة، إلى رد فعل الناس العفوي في شويا في حاصبيا، وبالتالي لكل هذه الأسباب وغيرها يستحيل ان يغامر في حرب وخاصرته الخارجية والداخلية ضعيفة جداً.

 

السبب الثالث يرتبط بالاهتمام الدولي الاستثنائي بلبنان. فما يكاد ينتهي مؤتمر دولي حول لبنان حتى يبدأ آخر، وما يكاد يغادر ديبلوماسي غربي او عربي حتى يحط آخر، وذلك في اجتماعات على أرفع المستويات محورها لبنان وفي طليعتها الفاتيكان الذي وضع لبنان في طليعة اهتماماته، وكل ذلك يجري وسط دفع فاتيكاني باتجاه إدخال الأزمة اللبنانية في صلب الأولويات الدولية على قاعدة إعلان حياده، والحياد يعني رفع يد طهران عنه وتسليم «حزب الله» لسلاحه، وبالتالي لا مصلحة لطهران بحرب تفتحها مع إسرائيل من لبنان وتؤدي هذه المرة إلى فرض تطبيق القرارين 1559 و 1701 فورا.


 

فلكل هذه الأسباب مجتمعة لن تغامر طهران في حرب مع إسرائيل من البوابة اللبنانية خشيةً من ان تفقد ثلاث أوراق دفعة واحدة: ورقة «حزب الله» التي هي من أقدم أوراق ثورتها الدينية وأبرزها، ورقة الصراع مع إسرائيل التي تخرجها من حلبة المواجهة الشرق أوسطية التي دخلت إليها تعزيزا لدورها ونفوذها، والورقة اللبنانية التي تُمسِك بقرارها الاستراتيجي عن طريق الحزب.

 

فالمواجهة بين إيران وإسرائيل عن طريق «حزب الله» ستبقى ضمن حدود الرسائل، ولن تذهب أبعد من ذلك سوى في حالة واحدة وهي اعتماد طهران سياسة «عليّ وعلى أعدائي»، ولا يبدو انّها في هذا الوارد، كما انّها لا تهوى الانتحار تأسيساً على إدارتها لمواجهاتها، إنما تعتمد سياسة تسجيل النقاط التي انقلبت ضدّها في هذه المرحلة، حيث انّ النقاط تسجّل في ملعبها.

 

وأما الحالة اللبنانية التي تتطلّب من «حزب الله» استخدام سلاحه ضد إسرائيل فتتراوح بين حدّين: حدّ الرسائل التذكيرية المحدودة التي يتثبّت بأنّها لا تجرّ إلى حرب، ويعمد إلى توجيهها بين حين وآخر لاعتبارات تبدأ من داخل بيئته وصولاً إلى البيئات الأخرى في سياق شدّ العصبّ وتبرير سلاحه وما يسمّى بدوره المقاوم. والحدّ الثاني يكمن في استخدام المواجهة مع إسرائيل لقلب الطاولة في الداخل على غرار ما فعله في حرب تموز 2006 التي كان أحد أهدافها إسقاط ميزان القوى المحلي الناشئ عن الخروج السوري من لبنان في العام 2005، اي حدّ توظيف العامل الإسرائيلي من أجل تحسين ظروف مواجهته في لبنان دفاعا عن سلاحه ودوره.


 

وفي الخلاصة، الحرب مستبعدة لأنّ طهران لا تريد التضحية بـ«حزب الله» في توقيت غير ملائم إقليمياً ولبنانياً، ولأنّ أقصى طموح الحزب الحفاظ على الستاتيكو الحالي في لبنان، فيما افتعاله للحرب يؤدي إلى تسريع إسقاط الستاتيكو الحالي ونشوء واقع جديد لا يتناسب مع مشروعه برغبة داخلية وتغطية خارجية.