ما زال الشيعة، جماعتنا، حسب التعبير المتداول، ينتظرون ظهور الإمام المهديّ، ويستعجلون فرَجَه، ويستدلون على قُرب ظهوره بعلاماتٍ وإشارات، كي يملأ الدنيا عدلاً بعد أن مُلئت ظلما. ولم يتنبّهوا هذه الأيام إلى أنّ "المهديين"، إذا صحّ التعبير، يملأون الرحب على سِعته، فأنىّ توجّهتَ فثمّ مهديٌ، خلاصُ الأمة على يديه. فوليُّ أمر المسلمين في إيران، أو الولي الفقيه، ألا تصدُقُ عليه صفات المهدي المنتظر؟ ومن غيره يمكن أن يهدي هذه الأمة الضالّة، والرئيس بشارالأسد! لم لا يكون مهديُّ هذه الأمة، وإلاّ لم تُبذل في سبيل بقائه وديمومته وأبديته الأرواحُ، والأموال التي تعادل الأرواح. والخليفة البغدادي وأمراء النُصرة وما لا يُحصى من أمراء التنظيمات الجهادية، اليسوا "مهديين"؟ بلى، كلهم مهديون وإن بتعديلات جينية،تتبع آخر ما توصّلت إليه الهندسة الجينية، والعلمُ مطلوبٌ ولو في الصين. وهكذا يأتي المهدي بشخصيات مختلفة يمتلك بين جنبيه :المُتخيّل الديني من جهة، والشعارات الحديثة "المعلمنة" من جهة أخرى.

 

وهكذا يحاربُ المهدي المنتظر على جبهتين. جبهة المتديّنِين، وجبهة العلمانيين. وهاهم الدواعش ينشرون فضائعهم بالاخراج السينمائي الممتاز. وقد أخذ "مهديّو" السُّنة من مهديي الشيعة،أنّ النبيّ محمد كان نبيّ الرحمة، أما المهدي المنتظر فهو إمامُ قطع الرّقاب.ولا تُطهّرُ الأرضُ إلاّ بالعنف. وكلُّ مهديٍٍ( وعفوا من المهدي المنتظر) يعيش بين ظهرانينا اليوم يمتلك استمرارية تواصلية مع مهدي التاريخ النبوي والعقدي على مستوى الشعارات والأحلام والآمال.هذه الإستمرارية في الاعتقاد بإمكانية تحقيق نظام إسلامي مثالي، أو نموذجي تتطابق فيه السلطة كُلِيّاً مع الحُكم. أي مع المبادئ المثالية للدين، هي السائدة هذه الأيام.

 


إلاّ أنّ الخيبة هذه المرة ستكون أكثر كارثية، وستُضاف إلى غيرها من الخيبات. فالتاريخ الواقعي يُكذّب هذه التصورات، ويُظهر استحالة تحقيقها على أرض الواقع. رغم تعلق الجماهير بالمراسم الشيعية من جهة، واندفاع الجماهير السّنية وراء الحركات الأصولية.