يمكن القول بأنّ خطاب السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله بالأمس، كان من أكثر خطاباته خطورةً وأهمّية، فعلى الرغم من تخصيص الجزء الأكبر  من خطابه للحديث عن المناسبة الخاصة التي استدعت هذا الخطاب ( الإحتفال بقناة المنار التي يملكها حزب الله)، والإستفاضة في عرض الوضع الإقليمي والدولي المحتدم حول أحداث اليمن الدامية، وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية فيه، وتكرار موقفه الداعم لأنصار الله الحوثيّين، الساعين في نظره بلا كللٍ ولا ملل، ليحُلّ السلام والوئام في اليمن "السعيد"، فإنّ الخطورة جاءت في الوضع اللبناني المأزوم، وكما فعل "سماحته" بعد يومين فقط من اندلاع الانتفاضة الشعبية في السابع عشر من تشرين الأول عام ٢٠١٩، عندما اختزل يومها الإرادة الشعبية بإرادة حزبه "الحديديّة"، وجزمَ بأن لا تغيير ولا ثورة ولا إصلاح ولا من يحزنون، أعاد السيد نصرالله التّأكيد بأنّه السيد "المُطاع" الذي يتحكّم بمفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحياتية التي تعانيها البلاد هذه الأيام الحالكة، فلا انتخابات نيابية مُبكّرة، كما يدعو لذلك كثيرون باعتبارها المخرج الوحيد الذي يمكن إنقاذ البلد، لأنّها في نظر نصرالله لن تأتي بجديد، وعلى الدُّعاة إليها أن يُقلعوا عن ذلك، أمّا الحكومة "الحريرية" المُرتقبة فولادتها مُتعسّرة، رغم جهود الرئيس نبيه بري الجبارة، وخلاصها ليس واقعاً في المدى المنظور، وهنا لا داعي كما يبدو في حسابات حزب الله الداخلية-الإقليمية للعجلة، طالما أنّه يمكن لمنطق القوّة الفائضة التي يملكها حزب الله أن تُستثمر في معالجة أزمات الطاقة والكهرباء والدواء والطحين والوقود، ذلك أنّ علّة الفساد والإنهيارات المالية والاقتصادية الحرجة التي تعانيها البلاد ليست عند الطبقة السياسية الفاسدة التي يدعمها حزب الله ويحميها بكلّ ما أُوتي من مِنعةٍ وحُجّة، بل بالضرب بيدٍ من حديد على أيدي "المُحتكرين" المُستغلّين،

 

 

إقرأ أيضا : الحٌكّامُ الأوغاد يُمنّنون الناس بتحريك محركات وساطتهم، والبلاد في نكبةٍ مُرعبة.

 

 

وإذ يرى السيد نصرالله أنّ هؤلاء المحتكرين لا تقوى عليهم "الدولة" التي يقوم حزب الله بجُهدٍ جهيد على تقويض دعائمها وهدم بُنيانها، لذا يُصبح "مشروعاً" لحزب الله أن تتقدّم دولته لتأخذ دور المُدافع عن المواطنين الصابرين "الأذلّاء" أمام محطات الوقود وأبواب الصيدليات وشبابيك المصارف، وذلك بالدّفع بحوالي عشرين ألف عُنصرٍ من الحزب (يقبضون رواتبهم بالدولار الأمريكي، لا باللّيرة اللبنانية الرخيصة) ليُساعدوا في تخفيف معاناة المواطنين وقمع المحتكرين، وعندما تُحلُّ هذه المعضلة، وتتحسّن أحوال اللبنانيين، وخاصةً أهل الشيعة الذين بدأوا يكتوون بنيران الأزمات الخانقة التي تحيط بالبلد، يمكن بعدها المبادرة لاستقدام بواخر البنزين والمازوت مباشرة من إيران، وعندها سنرى من يمكنه أن يجرؤ على الوقوف في وجهها.

 

هكذا إذن، فوداعاً "للدُّويلة" اللبنانية وسيادتها واستقلالها، وأهلاً وسهلاً ومرحباً بدولة حزب الله، التي سترفع الضّيم عن اللبنانيين، وستخدمهم بأشفار العيون، كما وعد الحزب بذلك منذ حوالي أربعة عقودٍ من الزمن، عندما قام بتوزيع المياه "مجّاناً" في ضاحية بيروت الجنوبية.

 

صعد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك المنبر حين وليَ الخلافة وقال: إذا حدّثتُكم فكذبتُكُم فلا طاعة لي عليكم، وإذا وعدتكم فأخلفتُكم فلا طاعة لي عليكم، وإذا أغربتُكم فجمّرتكم فلا طاعة لي عليكم. (جمّر الجُند: أبقاهم في أراضي العدو لفترةٍ طويلة).