لا حاجة للإستزادة في سرد الوقائع التي أحصاها المؤرخون، أمّا عندنا فلا وثائق دامغة على فساد حُكّامنا الذين عاثوا فساداً.
 

ترك الراحل المفكر والمؤرخ لتاريخ الإسلام المُبكّر، هشام جعيط( رحل منذ أيامٍ معدودات) إسهاماً عظيماً في محاولته قراءة مختلف تطورات وإشكاليات "الفتنة الكبرى" التي شهدت طيلة خمسة أعوام وأكثر تمزُّق الأمّة: "أُمّة محمد"، وهي الفتنة التي بدأت في النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان وانتهت بمقتله، وحتى اغتيال الإمام علي بن أبي طالب..وارتقاء معاوية بن أبي سفيان سدّة الخلافة، وهذه الفتنة كانت "أُمّ" الفتن المتلاحقة، لأنّها في منظور جعيط أثارت انقسامات الإسلام الكبرى بين مذاهب السُّنّة والشيعة والخوارج، وإليها تُعزى كل تطورات الإسلام السياسي والإسلام الديني وامتداداتها في العصر الكلاسيكي الطويل، من قيام السلالة الأموية وما رافقها من نزاعات سياسية-دينية في القرن الهجري الأول، وإطاحة العباسيين بتلك السلالة، وبالتالي قيام تصوُّر جديد لتوازن القوى الإيديولوجية والإثنيّة، أدّى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي إلى طرد العرب واستبعادهم من ساحة السيادة التاريخية.

 

من المفيد اليوم تسليط الضوء، كما أراد المفكّر جعيط، على منابع الفتنة الكبرى وآثارها الفظيعة، وذلك لتماثل ما يُعانيه لبنان من آثارٍ مُدمّرة للفتنة "المالية" والاقتصادية الحرجة التي تعانيها البلاد هذه الأيام الحالكة، وكان جعيط قد مهّد لانطلاق الفتنة الكبرى بالحديث عن الفساد المالي والاقتصادي والاجتماعي الذي لاحت طلائعه في النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان، وكان الصحابي أبو ذرّ الغفاري أول من انبرى لمكافحتها ومعاكستها، وقيل بأنّه غادر المدينة( مدينة الرسول)  لأنّ بناء البيوت اتّسع فيها كثيراً، ولأنّه لا يريد أن يُكذّب حديثاً تحذيريّاً للنّبي يقول: "إذا بلغ البناء سلْعاً فالهَرَب" وسلْع مكانٌ في أقصى المدينة، ومن ثمّ عارض أبو ذر الهِبات والمنح التي بلغت مئات الآلاف من الدراهم، والتي منحها عثمان لأقاربه وأصدقائه، ولم يتورّع أبو ذر عن تأنيب الخليفة معاوية بن أبي سفيان لأنّه كان يُسمّي مال الغنائم والضرائب " مال الله" فقال أبو ذر" هذا مال المسلمين" أي لا يحق لمعاوية التّصرّف به على هواه، وتبع أبو ذر في معارضته هذه الصحابيان عبدالله بن مسعود وعمّار بن ياسر، فقد كان إبن مسعود خازن بيت مال الكوفة، وقد اقترض عاملها مالاً منه، وتأخّر في ردّه، وطالبه إبن مسعود بدفعه، فراجع العامل عثمان بن عفان في الأمر، فما كان منه إلاّ أن كتب لابن مسعود وهو يعتقد أنّه يحُطّ من قدره: إنّما أنت خازنٌ لنا، فاستاء إبن مسعود، وردّ بأنّه كان يعتقد أنّه خازن مال المسلمين، وليس خازن عثمان وعائلته، ورمى المفاتيح واستقال من منصبه، واكتفى بعد ذلك بتعليم مبادئ وأحكام الإسلام، فكان المؤسّس والجدّ الرمزي لمدرسة الفقه والحديث المقبلة، أمّا اعتراضات الصحابي عمار بن ياسر كانت قد انتهت بالقبض عليه والتنكيل به بشدّة، وهذا ما أثار سخط الصحابة و"أمّهات المؤمنين".

 

 

إقرأ أيضا : الحٌكّامُ الأوغاد يُمنّنون الناس بتحريك محركات وساطتهم، والبلاد في نكبةٍ مُرعبة.

 

 

 

يعود جعيط في معالجة أحداث الفتنة الكبرى في كتابه باللغة الفرنسية " الفتنة..جدلية الدين والسياسة في الإسلام المُبكّر"، بالتركيز على المخاطر التي سبّبتها فضائح الخليفة الأموي عثمان، عندما سمح للصحابة بأن يتاجروا في الولايات، وبالخروج من المدينة لكي ينتشروا في الأمصار، بعد الحظر الذي كان قد فرضه الخليفتان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وكان عثمان قد أباح لنفسه اقتراض مبالغ ضخمة من بيت المال، ولم يُرجعها دائماً،ولربما تاجر بها وقرضها أو وهبها لآخرين، فتكوّنت في وسطه كما في وسط أقربائه من الأمويين ثروات ضخمة، وهذا ما لم يعهده الصحابة زمن النبي وعصر أبي بكر وعمر، والبيت الذي ابتناه عثمان كان من الحجر والخشب الثمين، وكوّن لنفسه قطعاناً وأملاكاً في المدينة، وعند وفاته، حسب رواية المسعودي، كانت أمواله الشخصية إلى مائة وخمسين ألف دينار، ومليون درهم، ، وأملاكه غير المنقولة في وادي القُرى وحنين وسواهما، فكانت تساوي مائة ألف دينار، وترك عدداً من الجياد والجِمال، صحيح أنّ عثمان كان من أغنياء الجاهلية، لكنّ ثروات الماضي تبدو ضئيلة أمام ثروات الحاضر، وكان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام من أكثر الصحابة ثراءً ونعمة، فقد ترك طلحة عند وفاته أموالاً منقولة تُقدّر بمليونين ومائتي ألف دينار،وستمائة ألف دينار ذهب،وقُدّرت ثروته بثلاثين مليون درهم، وكان يجني من قريته العراقية "النشاشتج" أكثر من ألف درهم يوميّاً، وكان سخيّاً، كان يساعد عشيرته تيم، ويرسل إلى عائشة، أرملة النبي عشرة ألاف درهم سنوياً، أمّا عبدالرحمن بن عوف،  وهو صحابيٌّ وشخصٌ مركزيّ في الشورى، فقد ترك بعد وفاته ألف جمل، وثلاثة آلاف رأس غنم، ومئة حصان، وأراضٍ سقوية بمساحاتٍ كبيرة، وسبائك ذهب تُكسّر بالفؤوس،  وكان قد باع بأربعين ألف دينار ملكه في "كيدمة" الذي كان نصيبه من أملاك بني النُّضير التي وزّعها النبي على المهاجرين، أمّا الزبير بن العوام فكان أغنى من الجميع، كان وحده يلعب دور مصرف ودائع(أمانات)، وقُدّرت ثروته عند وفاته بأكثر من خمسة وثلاثين مليوناً، أو واحد وخمسين مليوناً حسب روايةٍ أخرى، وكان في حيازة الزبير حسب رواية المسعودي، غاباتٍ وأراضٍ شاسعة، وأحد عشر داراً في المدينة،وداران في الكوفة، ودارٌ في مصر، وحدائق في ضواحي المدينة،وعقاراتٍ في الكوفة والفسطاط والإسكندرية، وسعد بن أبي وقاص الذي كان أقل ثراءً ونعمة، خلّف وراءه مائتين وخمسين ألف درهم، وداراً واسعة في العقيق، وهذا غيضٌ من فيض.

 

كان عثمان بن عفان  دأبه كدأب المتحكّمين هذه الأيام برقاب اللبنانيين، يوزعون الأموال العامة المنهوبة على أبنائهم وأقاربهم وأنصارهم وأزلامهم، كما فعل عثمان عندما أعطى لمروان بن الحكم، إبن عمّه خُمس غنائم أفريقيا، أي ما يعادل مائة ألف دينار إلى مائتي ألف، كما منح صدقات "قُضاعة" لعمّه الحكَم، وأعطى الحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم،  وزيد بن ثابت مائة ألف درهم.

 

لا حاجة للإستزادة في سرد الوقائع التي أحصاها المؤرخون، أمّا عندنا فلا وثائق دامغة على فساد حُكّامنا الذين عاثوا فساداً.