شهر حزيران يبدو حافلاً بالاستحقاقات التي تطال الساحة اللبنانية، إن بشكل مباشر او غير مباشر، يدشن شهر تموز حلوله باليوم التاريخي الذي دعا اليه الفاتيكان على نية لبنان، والتي ستتضمن الاوراق المطروحة للبحث، البند المتعلق بالدعوة الى مؤتمر دولي حول لبنان.   والواضح انّ ثمة سباقاً بين هذه المحطات الخارجية والانهيار المتسارع الحاصل في لبنان، في ظل الأزمة الحكومية وما يشبه لا مبالاة المسؤولين حيال المخاطر الوجودية التي تهدّد لبنان، كما وصفها رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس غداة عودته من زيارته التاريخية الى العراق. فهنالك القمة الاميركية - الروسية منتصف هذا الشهر، وهي الاولى من حيث اهميتها بالنسبة للشرق الاوسط منذ انهيار الاتحاد السوفياتي منذ حوالى الثلاثين عاماً. في هذه القمة ملفات عديدة جرى التحضير لها لوضعها على طاولة البحث بين الرئيسين الاميركي والروسي. صحيح انّ ثمة اولويات تتعلق بالصراع الاميركي - الصيني وملف التسلّح والأزمة الاوكرانية، الّا ان الملف السوري وضمناً الملف اللبناني، جرى تخصيص بند لهما.

 

هذا في الوقت الذي تستمر فيه دعوات موسكو لشخصيات سياسية لبنانية لزيارتها، في اطار البحث في الأزمة الخطيرة التي تهدّد لبنان. وأهمية هذه القمة ايضاً، انّها تتزامن مع التقدّم الكبير الذي تحققه المفاوضات الجارية مع ايران حول الملف النووي، والذي تشارك فيه موسكو، في العاصمة النمساوية.

 

وستشكّل الانتخابات الرئاسية الايرانية محطة اساسية، ارادتها طهران على طريق الاعلان عن اعادة العمل بالاتفاق النووي. صحيح انّ هنالك مفاوضات تدور في فيينا، لكن الصحيح ايضاً انّ ثمة مفاوضات سرّية تدور في مكان ما في الوقت نفسه بين الاميركيين والايرانيين، وتطال ملفات مصالح البلدين السياسية والامنية في الشرق الاوسط. تكفي الاشارة الى اعلان سلطنة عمان عن زيارة وزير خارجيتها للحوثيين في اليمن. في العادة لا تعلن سلطنة عمان عن زيارات مشابهة. ومجرد الاعلان عن هذه الزيارة انما يعني الكثير بالنسبة للأزمة اليمنية.

 

وفي 14 حزيران، من المفترض ان ينال ائتلاف اسرائيلي هجين الثقة، لحكومة ستضع بنيامين نتنياهو المهدّد بالدخول الى السجن، خارج الحكم للمرة الاولى منذ 12 عاماً.

 

هو اتفاق لائتلاف متناقض يضمّ مجموعات لا تجمعها رؤية سياسية مشتركة انما فقط معارضتها لنتنياهو. لذلك، وقبل 30 دقيقة فقط من انتهاء المهلة الدستورية، تمكن نفتالي بينيت ويائير لابيد من التوقيع على الاتفاق.

 

من الواضح انّ نتنياهو سيسعى حتى آخر لحظة لإفشال الاغلبية الضعيفة التي ستمنح الحكومة الثقة، وهو يعمل على الاتصال بالنواب الذين كانت تربطه بهم علاقة قوية وانقلبوا عليه، والعمل على جذبهم من خلال عروض مغرية. لكن في الواقع، فإنّ الحكومة الائتلافية في حال نجحت في تجاوز امتحان الثقة في 14 الجاري، فهي تعكس استمرار حال الفوضى السياسية في اسرائيل والتي ادّت الى أربع انتخابات متتالية، وحرب غير مدروسة مع الفلسطينيين.

 

والحكومة الجديدة ستطوي زعامة نتنياهو، ولكن من دون تكريس ولادة زعامة جديدة. غالب الظن انّ تحالف بينيت - لابيد سيكون اكثر تعاوناً مع ادارة بايدن، في وقت يقف فيه البيت الابيض على مسافة اسابيع معدودة من إعادة إحياء الاتفاق النووي الذي شاغب عليه كثيراً نتنياهو. وبناءً عليه، هل سيتجرأ نتنياهو على القيام بحركة امنية صاعقة قد تطال لبنان، عنوانها «حزب الله» او ايران، ومضمونها إسقاط الاغلبية الهشة للحكومة؟

 

في المقابل، فإنّ تهديد بينيت الذي شغل الوسائل الاعلامية تجاه غزة ولبنان، انما يدخل على الارجح في اطار السعي الى تبديد صورة الضعف التي يلصقه بها نتنياهو. بالتأكيد فإنّ ثنائي بينيت - لابيد هو ثنائي متطرف، ولكنه غارق في مشاكله الداخلية، التي ستشغله طوال الاشهر المقبلة، وهو ما سيعطي فسحة زمنية ثمينة لبايدن لإنجاز وترتيب تفاهماته مع ايران.

 

وفي 17 حزيران ايضاً سيُعقد المؤتمر الدولي الذي دعت اليه فرنسا وعملت على التحشيد له، والذي يحمل مهمّة دعم الجيش اللبناني. وسيشارك في المؤتمر الافتراضي وزراء دفاع دول اوروبية واجنبية وعربية، طبعاً الى جانب مشاركة وزيرة الدفاع زينة عكر وقائد الجيش العماد جوزف عون.

 

ومن المفترض ان يؤمّن هذا المؤتمر مساعدات ملحّة للجيش اللبناني، الذي يعاني جراء الانهيار المالي والاقتصادي. فعدا انّ المؤسسة العسكرية هي احدى المؤسسات القليلة جداً التي لا تزال تعمل، الّا أنّ الآمال المعلّقة عليها هي كبيرة جداً لناحية قدرتها على منع تفتت البلاد وتشرذمها في ظل الانهيار الحاصل وارتفاع احتمالات الفوضى الشاملة، وايضاً الرهان على قدرتها لاحقاً في عملية استنهاض البلاد واعادة تركيز وإحياء باقي مؤسسات الدولة اللبنانية. الواضح ايضاً انّ حجم وعدد الدول المشاركة في المؤتمر سيكونان بمثابة رسالة دعم دولية معنوية ايضاً.

 

وسط هذه الاستحقاقات التي سيتأثر بها لبنان، ظهرت اشارتان ناعمتان معبرتان: الاولى مع زيارة وفد البنك الدولي الى لبنان. صحيح انّ البنك الدولي كان قد استبق زيارة وفده الرفيع المستوى بالإعلان عن انّ ازمة لبنان هي احدى اسوأ ثلاث ازمات في التاريخ الحديث، واتهامه القيادة اللبنانية بالتقاعس الكارثي والمتعمّد، الّا أنّه لفت قيام الوفد بزيارة وزير الصحة المحسوب على «حزب الله»، واطلاق إشادات بعمل وزارة الصحة اللبنانية. والثانية، زيارة السفيرة الفرنسية للجنوب، حيث زارت نائب «حزب الله» في صور في مكتبه، مع تغطية اعلامية كاملة، وإشادة السفيرة الفرنسية بالاستقرار في الجنوب لأنّه يدعّم استقرار لبنان. لكن، الاساس يبقى مع انحدار لبنان المستمر باتجاه القعر، فيما الحسابات السياسية والانتخابية الضيّقة تقف حائلاً امام ولادة الحكومة.