في المرحلة الأخيرة من الانهيار، يتموضع لبنان على مفترق حاسم بين خيارين: الأول هو أن يصل إلى القعر، وتتفكّك مؤسساته، ويبقى كذلك حتى نضوج التسويات الكبرى في الشرق الأوسط. والثاني هو أن تتحرَّك القوى الدولية لفرملة انهياره عند نقطة معينة، فلا تستفيد إيران من الفراغ لتُدعِّم نفوذها، كما فعلت في العراق طوال 18 عاماً، وفي سوريا حتى التدخُّل الروسي في العام 2015. وثمة مؤشرات أخيراً إلى رجحان كفّة الاتجاه الثاني.

 

أظهر الرئيس إيمانويل ماكرون أنه ما زال متشبثاً بمبادرته اللبنانية، على رغم الصدمات التي تعرّضت لها، منذ انطلاقها في آب الفائت. وبَدا أنّ حال «الاعتكاف» و»القرف» التي عَبَّر عنها مراراً تجاه الطاقم السياسي اللبناني لا تعني أنه تخلّى عن لبنان.

 

ثمة مَن يقول إنّ ماكرون تراجع «تَكْتِياً» في انتظار تبلور الصورة وتحضير الأجواء لتحرُّك أكثر فاعلية، سواء لجهة التنسيق بين باريس وإدارة الرئيس جو بايدن، أو لجهة انتظار خطوات إيجابية في الاتصالات الأميركية - الإيرانية.

 

المتابعون يؤكدون أنّ إدارة بايدن جدّدت إطلاق يد فرنسا لإنجاح مبادرتها في لبنان، وأزالت التحفّظ الذي كانت تلتزمه إدارة الرئيس دونالد ترامب. واليوم، تتوافق واشنطن وباريس على هدف مشترك في لبنان، وهو أن لا تؤدي الضغوط التي تُمارس عليه إلى انهياره كلياً، بحيث تنشأ وضعية شاذة ربما يَصعب إصلاحها.

 

ولذلك، يمنح الأميركيون ماكرون «توكيلاً» بمعالجة الملف اللبناني، ضمن ضوابط متفق عليها. وهناك توطيد للعلاقات وثقة متنامية وتَناغم بين بايدن وماكرون في النظرة إلى كثير من الملفات في العالم، وبينها لبنان.

 

ويعترف الأميركيون أنّ لفرنسا معرفة وخبرة جيدة في الوضع اللبناني، وأنها تدرك خصوصيات التركيبة اللبنانية المعقّدة سياسياً وطائفياً ومذهبياً. وتالياً، يمكنها أن تكون الوسيط المباشر لتحقيق التسويات أو الاتفاقات الكبرى، كما فعلت مراراً على مدى نصف قرن، طبعاً ضمن السقوف التي يوافق عليها الأميركيون.

واضح أنّ واشنطن باتت اليوم أكثر تقبّلاً لاعتماد «الخيار الاستيعابي» الذي يؤيده الفرنسيون في لبنان. وفي السابق، فشل هذا الخيار لأنّ ترامب كان يتبنّى نظرية «الضغط الأقصى». ولطالما رأى الفرنسيون أن زيادة الضغط على لبنان، بلا حدود ولا ضوابط، سيوقع فيه الضرر الجسيم، فيما «حزب الله» يزداد قوة. ولذلك، لا حلّ للمشكلة إلا بالحوار السياسي.

 

ومن المفارقات أنّ ماكرون انتظر رحيل ترامب ليراهن على نجاح مبادرته اللبنانية، تماماً كما كانت إيران تنتظر، ولكن بهدف تسجيل أرباح إضافية. وما زال التباين قائماً بين النظرتين والمصالح الأميركية والفرنسية تجاه الملف الإيراني ولبنان، لكنّ الطرفين يتوافقان على إبقاء الضغط في لبنان ضمن حدود معينة، بحيث لا يؤدي إلى تحقيق أهداف معاكسة. ولذلك، لم يُمعن الفرنسيون في الضغط على الطاقم السياسي في لبنان.

وطوال سنوات، بقيت المؤسسات في لبنان تشكل خطّاً أحمر لا يتجاوزه الأميركيون أو الفرنسيون، وفي مقدمها الجيش ومصرف لبنان. وعندما كانت تتداعى مؤسسات الحكم والإدارة، بقيت هاتان المؤسستان ركيزة لا بدّ منها لإعادة البناء. واليوم، إذ يتعرَّض القطاع المصرفي لضربة قاسية، بات الجيش وحده الضمان الباقي.

 

وهذا هو جوهر التلاقي الأميركي - الفرنسي، حالياً، حول المؤسسة العسكرية، والتعاطي الاستثنائي مع قائدها العماد جوزف عون في زيارته الفرنسية الأخيرة واللقاء مع ماكرون، والقرار بتنظيم مؤتمر دولي لدعم الجيش، برعاية فرنسية.

فهناك حرص أميركي - فرنسي على عدم السماح بأن تترك الأزمة المالية انعكاساتها على الجيش مؤسسةً وأفراداً، سواء في الجوانب المهنية أو الاجتماعية، ما ينعكس سلباً على معنويات الأفراد وقدرتهم على أداء مهماتهم.

 

هذا التنسيق الأميركي - الفرنسي في موضوع الجيش، تعتقد المصادر المواكبة أنه سيكون جزءاً من عملية تَدخُّل شاملة في الملف اللبناني ستظهر مفاعيلها بالتوازي مع دخول لبنان مراحل انهياره القاسية. وهذا التدخُّل، وفق المصادر، سيتولّاه الفرنسيون وسيكون مبرمجاً على بنود المبادرة التي أطلقها ماكرون خلال زيارته الأولى للبنان، يوم 6 آب الفائت، والتي تتضمن تأليف حكومة مَهمَّة وإقرار وثيقة ذات طابع تأسيسي، تتضمن إنتاج سلطة جديدة، إصلاحية، تحافظ على التوازن، وتقرّ حياد لبنان الإيجابي واللامركزية التي هي أحد البنود الواردة في اتفاق الطائف.

 

ولإنجاح المبادرة، سترعى فرنسا على أرضها مؤتمرَ حوارٍ لبنانياً عاماً يتبنى الوثيقة، ويحظى بتغطية إقليمية ودولية. وبعد ذلك، تعاود فرنسا دعوتها إلى مؤتمر دولي لتحريك المساعدات المقرَّرة في مؤتمر «سيدر» العام 2018، بهدف توفير الأرضية للحلّ.

 

وفي تقدير المتابعين أنّ دعوة البابا فرنسيس إلى القيادات الروحية المسيحية اللبنانية للقاء «تأمل» في الفاتيكان، أول تموز المقبل، تندرج في هذا السياق. فالكرسي الرسولي، من منطلق نظرته إلى مستقبل لبنان ومسيحييه، يريد وضع هذه القيادات أمام مسؤولياتها التاريخية، في هذه اللحظة من التحوُّلات الشرق أوسطية.

 

هل يتاح لفرنسا أن تنجح أخيراً في إطلاق مبادرتها، بعد مخاض طال 9 أشهر؟

 

إذا اتجهت محادثات فيينا بين الأميركيين والإيرانيين إيجاباً، فعلى الأرجح، ستدور المحادثات بين السعوديين والإيرانيين في أجواء أفضل. ويمكن أن تتوافر الظروف المناسبة لتسويةٍ داخلية في لبنان، بدءاً من منتصف حزيران. وسيكون على اللبنانيين أن يتيقظوا لئلّا تأتي التسويات على حسابهم.

 

وإلى أن تتبلور الصورة، لا حظوظ للمبادرة الفرنسية، ولا طبعاً لمبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري الحكومية، ولا لوعود الحلحلة المالية والمصرفية على أبواب حزيران. وفي هذه الحال، لا مناصّ من دخول البلد عميقاً إلى جهنم، بعدما كان حتى اليوم واقفاً على أبوابها.