ذهل ديبلوماسي وديبلوماسية مُقيمان، من نتائج زيارتهما بفارق ايام قليلة لمرجع رسمي، عندما قال امامهما لو انّ التفاهم أنجز بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل لشُكِّلت الحكومة منذ أشهر. ولمّا ردّا معاً عليه مؤكدَين ان التسوية مستحيلة، اكد لهما نظريتهما ما زاد حجم الصدمة. وعندها، خاطب أحدهما اصدقاءه طالباً نجدة طبيب نفسي ليفهم ما يجري في لبنان. فلماذا كانت ردة الفعل هذه؟

 

على هامش الأزمات والنكبات التي يعانيها لبنان منذ عامين ونصف نمت علاقات استثنائية بين مجموعة من الديبلوماسيين الغربيين والعرب والخليجيين منهم خصوصاً، تجاوزت الأصول المعتمدة في عدد من الدول من أجل مواكبة ما يجري في لبنان تجاوباً مع المناشدات الداخلية والخارجية التي قالت بضرورة التنبّه لمخاطر ما يجري على الساحة اللبنانية ومساعدة ابناء الوطن الصغير على تجاوزها، ليس من اجل اللبنانيين فحسب إنما من اجل تطويق ترددات ما يجري في الداخل على مجموعة دول حوض المتوسط العربية ومنها والأوروبية.

 

فقد ثبت في تلك الفترة للديبلوماسيين الذين يشكّلون المجموعة الدولية من أجل لبنان، وهي النواة الاولى التي شكلت لهذه الغاية منذ ايلول 2013، انّ ترددات ازمة النازحين السوريين على وقع ما يجري في سوريا من مجازر ستتجاوز الحدود اللبنانية لتعبر شرق المتوسط الى دول الشمال والجنوب وصولاً الى عمق القارة الاوروبية. وهي لم تكن بعد قد نجحت في معالجة «الاستثمار التركي» لأزمة النازحين. فهي التي اطلقت العنان - او غضّت النظر على الأقل - لفترة غير قصيرة لموجات الهجرة غير الشرعية الى الدول الاوروبية برّاً وبحراً، ولا يمكن ان تتحمل هذه الدول تجربة مشابهة لها، كانت بوادرها بدأت بالظهور من الشاطئين اللبناني والسوري. كان ذلك قبل ان تنشأ أزمات أخرى واكَبت بداية وصول جائحة كورونا الى لبنان تزامناً مع أسوأ ازمة نقدية ومالية تعيشها البلاد. ولتكتمل الصورة «السوداء القاتمة» كان انفجار «عنبر الفساد» في 4 آب في مرفأ بيروت لتتجاوز مجموعة الأزمات كل الخطوط الحمر وما نجم منها من مآس الى الذروة.

 

وعليه، يعترف ديبلوماسي يتعاطى في تفاصيل الازمة اللبنانية ان النكبات المتتالية ألقت عبئاً ثقيلاً على السلك الديبلوماسي في لبنان بكامله، وتعاظمت المسؤوليات وتوسّعت لتطاول طريقة تقديم الدعم لتوليد الحكومة المتعثرة منذ استقالة حكومة «مواجهة التحديات» في 10 آب العام الماضي، وفشل أركان السلطة من تطبيق المبادرة الفرنسية التي رسمت خريطة طريق مبسّطة للخروج من الازمة. فقد كانت المعالجة تستدعي التزاماً صريحاً بتعهداتهم. كان بعضهم يعتقد انّ القادة اللبنانيين المتحكمين بمقادير الحكم والسلطة استوعبوا حجم المأساة، وأنه لا بد من ان يلتزموا التعهدات التي قطعت على طاولة قصر الصنوبر في 2 ايلول الماضي، والتي ترأسها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون شخصياً من اجل الخروج المنظّم والمبرمج من الهاوية الى مرحلة التعافي والانقاذ على مختلف المستويات.

 

كانت كل هذه المعطيات حاضرة في الجلسة التي جمعت ديبلوماسياً عربياً مع مجموعة من اصدقائه اللبنانيين، عندما تناول النقاش مضمون جلسة له عقدت الأسبوع الماضي مع مرجع رسمي تحدث فيها عن حجم الصدمة التي تعيشها إحدى زميلاته من السفيرات الغربيات التي عبّرت عن ذهولها ممّا سمعته من أسباب تعوق ولادة الحكومة العتيدة رغم حجم السيناريوهات المتعددة التي رسمت لها في ظل هوامش محدودة رسمها المجتمع الدولي لتقديم العون الى لبنان.

 

قال الديبلوماسي: «شاركتها الرأي وتداولنا في ما يمكن القيام به بعدما تقاطعت معلوماتنا ممّا سمعناه في لقاءين منفصلين وبفارق أيام قليلة مع مرجع رسمي. فقد اختصر لنا المشهد الذي نعيشه منذ 10 اشهر تقريبا بالاعتراف بأن كل الجهود التي بذلت الى اليوم ما زالت تصطدم بلقاء مقترح بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل من اجل التفاهم على المرحلة المقبلة وطريقة ادارة شؤون البلاد والعباد. والاخطر اننا توصّلنا الى اقتناع يوحي ان الحكومة المطلوبة بإلحاح ليست سوى «أداة» او «مناسبة» وربما «محطة عابرة» لترجمة أي تفاهم بينهما يتناول الاستحقاقات المقبلة».

 

وأضاف الديبلوماسي معبّراً عن الشعور بمزيد من الأسى واللوعة على ما آل إليه الوضع، معتبراً ان ما يجري التداول به من مخارج لا يفي بوعد يمكن ان يقطعه مسؤول بوقف الانزلاق الى الهاوية السحيقة، وحجم المخاطر على وحدة البلد والكيان. فمَن يفكر بتعزيز سلطته - ولو من خارج القانون والدستور - عليه ان يفكر بضمان حق شعب أوكله المسؤولية لإدارة شؤونه قبل البحث عن مزيد من المكاسب التي لن تفيده في ظل فقدان أبسط مقومات العيش والخدمات التي تعجز عنها المؤسسات الرسمية وإمكان تحديد نقطة الصفر التي توحي بالامل في امكان اعادة بناء ما تهدّم بعد تبخر مدّخرات اللبنانيين.

 

وعليه، فهم المشاركون في الجلسة أنه وبمعزل عمّا يمكن ان تقود اليه المبادرات التي تعيش لحظاتها الحاسمة إما في اتجاه الانفراج أو الانفجار، فإنه لا يجوز الربط بين مصير بلد وشكل العلاقة التي يجب ان تقوم بين شخصين مهما كان وجودهما ضرورياً وملحّاً حيث هما، ولا يمكن استبدالهما بأي شخص آخر في ظل المكائد المتبادلة والافخاخ المنصوبة عند كل مفترق طريق، والتي جعلت التفاهم بينهما «مهمة مستحيلة».

 

ولذلك، لا يمكن اذا عدنا الى منطق الامور ان تبقى الرهانات معقودة على «صفقة سياسية» بين طرفين لا تراعي الاصول الدستورية، وتتجاهل حجم الازمات المتنامية مخافة ان يؤدي ذلك الى اختصار مخيف لمجمل السلطات الدستورية بأداء شخصين كلّف خلافهما انشطاراً عمودياً وأفقياً بين معظم اللبنانيين. والاخطر انه فرز مجموعة من الاقطاب الذين يديرون الدفتين النيابية والحكومية ومعهما جيوشهما الإلكترونية، إلى ان باتت الدولة تعيش على فالق العلاقة الزلزالية بينهما بما فيها من مطبّات تنطوي على كثير من الالتباسات حول ما جرى من قبل. وهي عملية معقدة يقترح الديبلوماسي ان تخضع لمعاينة طبيب نفسي لفهم ما حصل حتى اليوم.