يعتبر حزب «القوات اللبنانية» أنّه كان سبّاقاً لجميع قوى التغيير وأفرقاء في السلطة، وحتى للفرنسيين، لجهة اعتبار تأليف الحكومة «طبخة بحص» وليست الأولوية، ولجهة طرح رحيل السلطة بكاملها وتأليف حكومة اختصاصيين غير حزبيين، وذلك قبل المبادرة الفرنسية وقبل ثورة «17 تشرين الأول» عام 2019. وبُعيد هذه الانتفاضة الشعبية وبروز هذه الروح التغييرية الشعبية، استقال وزراء «القوات» من حكومة الرئيس الحريري قبل أن تُعتبر مستقيلة باستقالة رئيسها، وبات الحلّ بالنسبة الى «القوات» هو «العودة الى الناس» لفرز سلطة جديدة. لكن خروج «القوات» من السلطة لم يعنِ القطيعة الكاملة مع قوى بارزة تُعتبر أنّها جزء منها ومن الطبقة السياسية التقليدية، مثل تيار «المستقبل» الذي كُلّف رئيسه التأليف مجدداً ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط الذي يدعو الى تسوية على صعيد التأليف.
 

ينادي حزب «القوات» منذ أشهر بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، من دون أن يلقى نداؤه هذا أي أذن صاغية خصوصاً من الحريري وجنبلاط، لمحاولة فرض إجراء هذه الانتخابت عبر استقالة ثلاثية من مجلس النواب. على عكس جعجع، لا يزال الحريري وجنبلاط يحاولان مع الفريق الحاكم المتمثّل برئيس الجمهورية العماد ميشال عون و»التيار الوطني الحر» و»الثنائي الشيعي». وتبقى اليد «القواتية» قصيرة عن تحقيق أي هدف، خصوصاً الانتخابات المبكرة من دون أيدي «المستقبل» و»الاشتراكي». ولا تزال العلاقة الثلاثية بين حلفاء «14 آذار» السابقين في المربّع نفسه، وأي تغيير في «ستاتيكو» العلاقة بين الأفرقاء الثلاثة وبالتالي في «ستاتيكو» الوضع السياسي، لا يُمكن أن ينطلق إلّا باعتذار الحريري عن التأليف وتخلّي جنبلاط عن الدعوة الى تسوية حكومياً، وفق ما تؤكد مصادر «القوات». وخلال هذا الانتظار تبقى الاستقالة الثلاثية من المجلس مُعلّقة، ويبقى أي تطوُّر في العلاقة السياسية بين هذه القوى معلقاً معها ومتعلقاً بها. فطالما الحريري لم يعتذر وجنبلاط متمسك بالتسوية، «نبقى في المربع نفسه الموجودين فيه الآن»، بحسب «القوات».

 

بالتوازي، تضع مجموعات عدة من «ثورة 17 تشرين» حزب «القوات» في سلّة «كلّن يعني كلّن» مع أفرقاء السلطة كافةً، بحيث تنظر الى «القوات» على أنّها خارج السلطة لكن ليست ضمن القوى التغييرية، فيما اعتبر وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان أنّ حزب «الكتائب اللبنانية» والنائبين المستقيلين ميشال معوض ونعمة افرام من هذه القوى، نظراً لاستقالتهم من مجلس النواب، فشَملهم بلقاء القوى التغييرية خلال زيارته الأخيرة للبنان.

   

عدم شمل زيارة «القوات» ضمن جدول أعمال لودريان، لا يعني بالنسبة إليها أنّها خارج القوى التغييرية، ولا يدلّ الى رسالة فرنسية لـ»القوات» فهي لم تكن معنية بزيارة لودريان، كذلك هذا لا ينفي العلاقة الممتازة بين فرنسا و»القوات». وذلك، لأنّ زيارة لودريان كانت مُقسّمة الى محورين: الأوّل رسمي لإيصال رسالة شديدة الاستياء واضحة المعالم للمعنيين بتأليف الحكومة لجهة أنّ هناك استياء فرنسياً من طريقة مقاربة تأليف الحكومة والمبادرة الفرنسية، خصوصاً أنّ هذه المبادرة تهدف الى إنقاذ اللبنانيين وليس الفرنسيين، وامتعاض الإدارة الفرنسية من التعاطي اللبناني الرسمي مع ملف التأليف. أمّا المحور الثاني، فكان تعارفياً مع المجتمع المدني الذي يحاول أن ينظّم نفسه وصفوفه وإعادة الاعتبار الى وضعيته، وبالتالي كان لقاء لودريان مع هذه القوى استطلاعياً. فيما أنّ «القوات» غير معنية بالتأليف كذلك موقفها مُعلن وواضح ويعرفه الفرنسيون وليس هناك من داعٍ لاستطلاعه، من المستوى السيادي الى إدارة الدولة والإصلاح ومكافحة الفساد.

 

وتعتبر «القوات» نفسها متقدمة على الجميع، وهذا ما يعرفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً من جعجع، إن عبر اللقاء المباشر الذي عُقد في قصر الصنوبر في 1 أيلول الماضي أو من خلال الاتصالات الهاتفية التي جرت بينهما خلال تلك المرحلة. وتقول المصادر «القواتية»: «لم نُساير ماكرون حين طلب من جعجع أن تسمّي «القوات» السفير مصطفى أديب ليُكلّف تأليف الحكومة فيما سايرته كلّ القوى الأخرى وسمّت أديب». وأبلغ جعجع الى الجانب الفرنسي موقف «القوات» الواضح، والذي هو فوق سقف الحكومة ويقضي بالذهاب الى انتخابات مبكرة. ويدرك الفرنسيون وعلى رأسهم ماكرون موقف «القوات» أنّها «ضد كلّ طبخة التأليف»، كذلك سعت جاهدة، بحسب مصادرها، الى أن تبدّل فرنسا أولويتها من تأليف الحكومة الى الانتخابات المبكرة، وشرح جعجع لماكرون أنّ «المشكلة ليست في الحكومة بل بفريق السلطة الذي يجب تغييره من خلال الانتخابات».

 

بالنسبة الى الانتخابات المقبلة، وإعلان تعويل فرنسي على قوى التغيير التي التقاها لودريان، ولم تكن «القوات من بينها، وإمكانية تحالف «القوات» مع هذه القوى في المعركة الانتخابية المرتقبة، تقول مصادر «القوات»: «من يحدّد التغيير الفعلي والحقيقي ونتائج الانتخابات، هو صناديق الاقتراع والناس وليس أي طرف سياسي داخلي أو خارجي». وتعتبر أنّ «القوات» كانت السباقة لقوى الثورة والتغيير، وهي تلتقي مع بعضها ولا تلتقي مع بعضها الآخر، وأي التقاء يجب أن يكون على قواعد سياسية، ففي كلّ انتخابات تخوضها «القوات» لا تميّز بين تحالف سياسي وآخر انتخابي، بل التحالف واحد بالنسبة اليها، وهي لا تبني تحالفات ظرفية، بل إنّ أي تحالف مع أي طرف يجب أن يكون وفق قواعد واضحة ونظرة وطنية مشتركة الى الأمور. لكن من المبكر الحديث عن تحالف انتخابي مع مجموعات «الثورة» التي لا زالت في طور هندسة صفوفها، فيما أنّ «القوات» فريق سياسي كبير لديه كتلة نيابية واسعة وامتداد شعبي كبير، علماً أنّها على تواصل مع شخصيات ومجموعات واسعة من الثورة التي لديها أبعاد «القوات» نفسها السيادية والإصلاحية».

   

وإذ ترى «القوات» أنّ «أحداً لا يستطيع اختصار الثورة، لا 7 جمعيات ولا أي طرف»، تعتبر أنّ «قوى الثورة بعد عام ونصف عام على 17 تشرين وصلت الى نتيجة أنّ التغيير لا يتحقق من طريق فريق أو فرقين سياسيين بل يتطلب أوسع ائتلاف لتحقيق الأهداف المرجوة من التغيير». وبالتالي، إنّ أي تحالف لـ»القوات» مع أي طرف، إن كان من الأحزاب التقليدية أو القوى الجديدة «يُحدّد في وقته»، وهناك انفتاح «قواتي» وتنسيق واسع مع مجموعات من الثورة.