لا يمكن لمن يتابع تطور الأحداث المالية والاقتصادية والنقدية في لبنان، ان يستغرب ما آلت اليه الامور اليوم، وكيف تسارعت وتيرة الانهيار وفقدان السيطرة، خصوصاً في ما يتعلق بالوضع المعيشي، والإذلال الذي يتعرَّض له المواطن يومياً، سعياً لتأمين أبسط مستلزمات العيش، من دواء وطبابة وغذاء، ومحروقات، وذلك نتيجة سياسة الدعم المتّبعة، التي رغم فشلها واستنزافها لاحتياطي البنك المركزي من العملات الاجنبية واموال المودعين، لم يتجرأ احد على وقف العمل بها.

بعدما استفادت الدول المجاورة كافة من سياسة الدعم في لبنان، وبعدما هُرّب ما هُرّب وغزت المنتجات المدعومة والادوية المدعومة دول العالم، الى أن حُرم اللبنانيون المستهدَفدون قبل سواهم من السلع المدعومة. فالأدوية على اختلافها مفقودة من السوق، والسلع الغذائية المدعومة أيضاً، حتّى انّ اللحوم التي لم تعد مدعومة حالياً مفقودة أيضاً من السوق، ناهيك عن أزمة المحروقات، والوظيفة الجديدة التي بات اللبنانيون يشغلونها قسراً، وبدوام 3 ساعات يومياً، هي البحث عن مادة البنزين، حيث من المتوقع ان يصبح الوضع في لبنان مماثلاً لسوريا التي تزدهر فيها السوق السوداء لبيع المحروقات.

 

علمت «الجمهورية»، انّ مصرف لبنان لم يحدّد بعد تفاصيل الآلية الجديدة للدعم التي سبق ان أعلن عنها وارسل كتاباً حولها الى وزير الاقتصاد والتجارة، ووفقاً لاجتماع عُقد أمس في البنك المركزي حول الموضوع، تمّ إبلاغ المعنيّين انّه أُرجئ البتّ بالآلية الى ما بعد عيد الفطر. وقد اعتبرت مصادر معنيّة، انّ اعلان مصرف لبنان عن آلية جديدة، ووجوب الحصول على موافقة مسبقة للدعم، هما بمثابة «حجّة» لوقف الدعم، من دون الاعلان رسمياً عن ذلك، لأنّه لم يعد يملك السيولة النقدية بالعملات الاجنبية للسير به من دون المساس بالاحتياطي الالزامي.

   

وفقاً لما قاله خبير مالي دولي لـ»الجمهورية»، فقد اعتمدت الطبقة الحاكمة في لبنان سياسة الدعم الأكثر تشويهاً وفساداً في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. مؤكّداً انّ النقد الاجنبي سوف ينفد من مصرف لبنان، مما سيحتّم رفع الدعم بالكامل وبشكل غير منظّم، «وإذا استطاعوا، قد يواصلون دعم بعض السلع او المواد الأساسية القليلة لتجنّب المجاعة في البلاد».

 

وشدّد على انّه يجب ان يعي الجميع، أنّ صانعي السياسات في لبنان غير قادرين على تنفيذ أي إصلاح اقتصادي لا يحظى بشعبية، رغم انّه مطلوب وملحّ، بدليل انّهم لتقاعسوا عن ذلك منذ منتصف التسعينيات. «والصدمة الاكبر أنّه عندما بدأت ثورة تشرين الأول 2019 ، كان احتياطي مصرف لبنان من العملات الاجنبية يبلغ 33 مليار دولار (باستثناء اليوروبوندز). فمع هذا المستوى من الاحتياطيات، إنّ الاصلاحات الاقتصادية التي كانت مطلوبة حينها بموجب برنامج مع صندوق النقد الدولي، كانت لتكون أقل قسوة وبشكل ملحوظ مما ستكون عليه اليوم، في حال تمّ اعتماد أي برنامج إنقاذ. علماً انّه لو تمّ السير ببرنامج مع صندوق النقد الدولي عند اندلاع الأزمة، لكانت البلاد الآن في حالة تعافي. ولكن بدلاً من ذلك، قام السياسيون الفاسدون وغير الأكفاء، بتشويه الحقائق، وقوّضوا خطة الإصلاح الاقتصادي التي أعدّتها الحكومة في آذار 2020».

 

وختم الخبير الدولي: «طالما انّ المافيا السياسية الحاكمة باقية، لا يوجد أمل للبنان».

 

أزمة المحروقات

وفي هذا الاطار، أعلن ممثل موزعي المحروقات ومستشار نقابة أصحاب المحطات فادي أبو شقرا امس، انّه أجرى «إتصالات بالمعنيين في الدولة، ومع رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، وأكّدوا جميعاً ان ليس هناك من رفع للدعم في الوقت الحاضر من دون خطة بديلة».

 

وطمأن ابو شقرا الى أنّ «كميات مادة البنزين متوافرة لدى الشركات حسب الإتفاقيات والعقود»، موضحاً انّ «الزحمة على المحطات في الآونة الأخيرة، مردها الشائعات التي تسرّبت عن رفع الدعم، ممّا تسبّب في حالٍ من الهلع لدى المواطنين الذين تهافتوا الى محطات الوقود، التي لم تتمكن امام ضخامة الطلب على الوقود، من تلبية الحاجات المطلوبة».

   

وقال: «اليوم تأكّدنا انّ هناك بواخر تفرغ حمولاتها في خزانات الشركات المستوردة»، داعياً المواطنين الى «التروي وعدم الخوف»، مشيراً الى «انّ كميات البنزين متوافرة هذا الاسبوع، وسنؤمّن كميات أخرى في الأيام المقبلة»، مؤكّداً «عدم وجود أزمة محروقات، انما تقنين لهذه المادة بسبب شح الدولار وعدم فتح الاعتمادات».