م واللعب على العامل الطائفي والمذهبي. وهو ما يثير المخاوف من لجوء المنتفضين إلى خيارين:


 
1 - الانزواء مناطقياً حيث تستطيع كل جماعة طائفية ومذهبية أن تتقوقع بعيداً عن المركز. وهذا الخيار يوقِظ واقع الإدارات المدنية أو الذاتية التي كانت مزدهرة خلال الحرب. وفي هذا المناخ، تنشأ قوى أمر واقع تتبرَّع بإدارة شؤون الناس وتساعدهم على تأمين متطلبات العيش وتتولى حمايتهم من الفلتان الأمني أيضاً، علماً أن نموذج الإدارة الذاتية ما زال قائماً في لبنان، على مستوى «حزب الله»، في الأمن كما في الاقتصاد والمال.

2 - إندلاع مواجهة في الشارع، قد تبدأ بين السلطة والمجموعات الغاضبة على خلفيات مطلبية ومعيشية، ولكن سرعان ما تحوّلها قوى السلطة مواجهات طائفية أو مذهبية تهدّد بتداعيات خطرة. وفي العادة، هذه المواجهات كانت هي الذرائع لتدخُّل القوى الخارجية في الشأن اللبناني.

 

إذاً، الانهيار الكبير، المرجَّح، على مستوى المال والنقد والاقتصاد، إذا تمادى، سيقود البلد إمّا إلى حالة قريبة من التفتيت على أساس طائفي أو مذهبي، وإما إلى حرب أهلية وتورُّط قوى خارجية. وقد يذهب السيناريو إلى الاحتمالين تباعاً.

 

هذا السيناريو يحذّر منه الخبراء منذ أكثر من عام. وقد تداولته قوى سياسية عدّة قبل أن تصل تفاصيله إلى جهات إقليمية ودولية رفيعة. وعلى الأرجح، تستعدّ كل قوة خارجية للتعاطي مع هذا السيناريو وفقاً لما تقتضيه مصالحها ورؤيتها للملف اللبناني. ولكن، حتى اليوم، لا مؤشرات إلى أن أياً منها يريد الاستثمار في حرب لبنانية داخلية.

 

فواشنطن التي أطلقت مواجهة قاسية مع إيران خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، تمارس الضغوط على لبنان، لكنها تجنبت دائماً أن تؤدي إلى زعزعة استقراره. وأما الفرنسيون والسعوديون فهم أشدّ حرصاً على هذا الاستقرار. وفي الموازاة، لا تجد إيران مصلحة في انفراط لبنان، لأنها تسيطر عليه مركزياً، ولأن نفوذ «حزب الله» يحظى بتغطيةٍ مسيحية وسنّية.

 

لكن هذا لا يمنع من وجود خشية لدى بعض المتابعين من اتجاه لبنان نحو السيناريو الأسوأ، إما بسبب إهمال القوى الدولية والعربية له، وإما بسبب اضطرار المحاور المتنازعة إلى استخدامه ساحةً وصندوق بريد للرسائل الساخنة، وهو ما حدث غالباً عندما كان يتقاتل اللبنانيون.

 

ومعلوم أنّ الحروب اللبنانية - اللبنانية لا تتوقف إلا عندما تتدخل القوى الخارجية وتبرم الصفقات في ما بينها وتوعز إلى جماعاتها في لبنان أن تتوافق. وهكذا، تأتي التسويات في لبنان نتيجة تلقائية لصفقات خارجية.

 

الآن، ما هو المتوقع بعد أيار؟

لقد بات «الارتطام الكبير»، على المستوى المالي والنقدي والاقتصادي، مسألة حتمية بعد أسبوعين أو ثلاثة. وواضح أن مصرف لبنان، من خلال الوعد بتسليم بعض الدولارات للمودعين، يحاول خلق صدمةٍ إيجابية جداً «تُنَفِّس» الصدمة السلبية جداً، أي رفع الدعم من دون توافر البطاقة التمويلية.

 

ولكن، إذا لم تنجح الخطوة، فستكون التداعيات قاسية على المستوى الاجتماعي على الفئات الفقيرة والمتوسطة، في القطاعين العام والخاص، لأن رفع الدعم سيجرد الرواتب من قيمتها الشرائية. وفي هذه الحال، سيكون الصيف ملتهباً، ومفتوحاً على تطورات في الشارع. وفي هذا المناخ، ينشأ الخوف من مواجهات أمنية، قد تجد أي قوةٍ خارجية مصلحةً في استخدامها أو في التوسُّط لوقفها والدخول على خط الحلول السياسية.


 
 

وثمة مَن يعتقد أن جوهر المشكلة القائمة يبقى سياسياً لا مالياً واقتصادياً، كما يبقى خارجياً لا داخلياً. فالأزمة المالية والاقتصادية والنقدية كانت موجودة في لبنان وتتنامى منذ سنوات. ولولا الحصار الذي ضربته واشنطن على إيران و»الحزب» في العام 2017 لبقيت هذه الأزمة تنمو في العتمة، حتى إشعار آخر.

 

واليوم، يمكن أن يؤدي التوافق الدولي - الإقليمي على خطوط واشنطن - طهران - الرياض- دمشق إلى حلحلة سياسية في لبنان تبدأ بملف الحكومة ولا تنتهي بالإفراج عن المساعدات الغربية والدولية وتحقيق الانفراج.

 

ومن هنا، يمكن قراءة الكلام الذي أدلى به وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته الأخيرة لبيروت، والذي أشار فيه إلى أن خلط الأوراق الإقليمية والدولية يمكن أن يصبّ في مصلحة لبنان، وليس بالضرورة أن يكون على حسابه. طبعاً، مع اشتراط أن تتوقف ماكينة الفساد العتيقة عن العمل نهائياً.

 

يعني ذلك أنّ «الفيلم» المنتظر في لبنان، والذي نشهد اليوم بعض مقتطفاته التمهيدية، سينطلق حامياً خلال أسابيع قليلة. وبعد ذلك، ستكون الأمور مرهونة بالمُخرِج وكاتب السيناريو والمموِّل، فيما يكتفي الممثلون المحليون بتنفيذ ما كُتِب لهم.