لم يتوافر ما يقنع الأوساط الديبلوماسية أن المناورات الاسرائيلية في الجليل الاعلى تستهدف مواجهة محتملة مع «حزب الله» و»حماس». ولذلك فقد اتجهت الانظار الى محاكاة أزمة أخرى تقلق اسرائيل في ظل الهدوء الشامل في جنوب لبنان. فاتجهت الانظار الى المفاوضات الخاصة بالملف النووي الايراني في فيينا والمفاوضات السعودية - الايرانية في بغداد. وعليه، كيف تم التوصّل الى هذه الخلاصة؟

 

ليست المرة الاولى التي يتحدث فيه الاسرائيليون عن المناورات المخصصة لمحاكاة القتال المحتمل مع «حزب الله» والمنظمات الفلسطينية في قطاع غزة، وهي جرّبت جميعها حتى تلك المحتملة من البحر. فالتجارب الأولى مع الحزب كانت تواكب تطورات الحرب السورية على اساس ان قدراته باتت في حال من التطور المستمر منذ بدايتها، وهي تدرجت لتشمل كل اشكال القتال بما فها الحروب النظامية التي تتحدث عن اقتحامات وعمليات صَد لهجمات في جبهات محصنة، او تلك التي تشكل حرب مدن وشوارع بالإضافة الى «حرب العصابات» مع مجموعات صغيرة يمكن ان تكون خلايا نائمة قادرة على العمل ضمن الصفوف الخلفية في مناطق أتمّت السيطرة عليها وتحتاج الى عملية «تطهير».

 

وان عاد المراقبون العسكريون إلى بعض التجارب السابقة فلا يمكنهم تجاهل المناورات التي كانت تحاكي في جانب منها وجود خنادق ومنشآت حربية تحت الأرض، وتحديداً عقب حرب تموز 2006. وهي عمليات استثمرت سياسيا وديبلوماسيا لسنوات عدة، وخصوصا بعدما اكتُشِف عدد منها وتبيّن لاحقا انها كانت تربط مناطق على جانبي الحدود. فتعاطت معها بطريقة أدت إلى سدها بوسائل مختلفة. كما نفذت مناورات اخرى بنيت لها مدن شبيهة بالقرى اللبنانية والمستوطنات الاسرائيلية على حد سواء، بالإضافة الى العمليات الخاطفة التي يمكن ان تؤدي الى خطف عسكريين اسرائيليين شبيهة بعملية 12 تموز 2006.

   

وان دخل هؤلاء المراقبون في التفاصيل وَجب عليهم العودة الى اسابيع خّلت عندما نفذت مناورة تتحدث عن احتمال قيام مجموعات من «حزب الله» بأعمال من البحر، وخصّصت لها في 18 شباط الماضي مناورة بحرية شاركت فيها الاسلحة البحرية والجوية بمساندة قوى البر. وقبلها بأيام ستة فقط، وتحديدا في 12 شباط الماضي، نفّذت مناورة تحاكي حرباً على الحدود تحت اسم «عاصفة البرق» واختبرت المناورات تعزيز تجارب القيادة الشمالية العسكرية على الحدود اللبنانية لتحسين قدراتها تجاه أي تدهور أمني محتمل في اي لحظة قد يحدث، وخصوصاً عند احتساب استخدام طائرات «درون» يمتلكها الحزب ومواجهة اسلحة جديدة اسقطت قبل 10 ايام تقريباً طائرة تجسس اسرائيلية فوق الأراضي اللبنانية، وما لبثت تل ابيب ان اعترفت بسقوطها من دون الإشارة الى السلاح المستخدم ولا الى طريقة حصول حادث من هذا النوع، تاركة كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها تلك التي يمكن ان تحتسبها عند اي نقاش حول مهمة القوات الدولية في الجنوب «اليونيفيل» وربما لاتهامها بالتقصير لضمان أمن حدودها الشمالية، رغم تجاهلها المستمر للشكاوى اللبنانية الموثقة لديها بالمئات سنوياً وبنحوٍ منتظم ودوري من دون ان تسجل القيادة الاسرائيلية اي تجاوب معها كما عند حصول اي خرق لـ»الخط الأزرق» في البر ومجموعة الخروقات البحرية شبه اليومية.

 

وقبل هذه المناورات لا يتجاهل المراقبون مناورات 28 حزيران العام 2019 البرية التي اعلن بعدها عن بدء استخدام «اللواء الذكي» الذي يعتمد على الآليات المسيّرة لمراقبة الحدود وتوجيه الانظار لرصد اي تحركات مشبوهة على مدار الساعة. وهي مناورة عُدّت الأخيرة من أصل 35 مناورة نفذت منذ مطلع تلك السنة، وخصّصت 17 منها للحدود مع لبنان والبقية مع «غلاف» قطاع غزة بالتزامن مع بداية بناء الجدران المقفلة الحاجبة للرؤية على الحدود في المنطقتين الشمالية والجنوبية.

 

وإن تَوسّع المراقبون في اسباب هذه المناورات، فإنهم لا يتجاهلون انها مرتبطة الى حد بعيد بالعمليات العسكرية التي تقوم بها اسرائيل في الأراضي السورية وكانت تتزامن مع مجموعة من الغارات على المناطق المتاخمة للجولان المحتل ومحيط دمشق، على خلفية تدمير أهداف عسكرية وقوافل تنقل الاسلحة والصواريخ الى لبنان او تلك التي تهدد المناطق المحتلة في الجولان.

 

وعليه، كان الاعلام الإسرائيلي الرسمي المنسوب الى الجيش وذلك الذي تتفرّد به القنوات التلفزيونية يتحدث عن اهداف هذه الغارات التي تَبنّى الجيش قسماً منها وترك أخرى مغفلة، على خلفية استهداف مواقع لـ»حزب الله» و»الحرس الثوري الإيراني» من دون ان توفر مقرات للجيش السوري ومراكز وتجمعات علمية اعتبرتها منشآت لتصنيع الاسلحة الكيماوية، تزامناً مع الاتهامات الدولية التي تحدثت عن استمرار الجيش السوري في استخدام هذه الاسلحة المحظورة ضد المدنيين في مناطق مختلفة من البلاد.

   

وان عاد المراقبون الى المناورات الأخيرة تتجه الانظار الى النقلة النوعية في الغارات على الأراضي السورية، والتي كان آخرها الاسبوع الماضي، التي طاولت مراكز للجيش النظامي على الساحل السوري في محيط مدينة اللاذقية على مسافة قصيرة من القواعد الروسية البحرية في طرطوس والجوية في «حميميم»، حيث تنتشر الصواريخ الروسية المضادة للطائرات والصواريخ البالستية من نوعي «S300» والـ»S400» من دون ان تتدخل. كما رصد عدم استخدام شبكات الدفاع الجوي السورية في مواجهتها، وقد يكون ذلك منعاً لتكرار تجربة إسقاط الطائرة الروسية «ايل 20» المخصصة لأهداف الرصد والمراقبة في منتصف ايلول العام 2018 ومقتل 14 من طاقمها في ظروف معقدة لتزامنها مع قيام الطائرات الإسرائيلية بغاراتها على مناطق مجاورة لتلك التي استهدفت الأسبوع الماضي.

 

وبناء على ما تقدّم، وقياساً على حجم الهدوء المحقق في الجنوب اللبناني والعمليات المحدودة في قطاع غزة نتيجة اطلاق قذيفة او صاروخ من وقت لآخر، فإنّ الاقتناع تعزز في انّ مثل هذه المناورات لا تستهدف الجبهة الداخلية بمقدار ما تُحاكي قلقاً إسرائيلياً جدياً مما يجري في فيينا في شأن الملف النووي الايراني مع مجموعة الـ»5+1» وتعكير الاجواء على المفاوضات السعودية ـ الإيرانية في بغداد. فالمقاربة الإسرائيلية لأهداف في محيط دمشق وقبالة الجولان المحتل وتلك التي وضعت تحت حماية الوجود العسكري الروسي المباشر على الساحل السوري ليست عمليات عادية، وان أغفلت الحديث عن صواريخ الحزب «الذكية» في لبنان فإنه لا يمكنها مقاربتها، طالما انها لم تستطع التذرّع بأي خطأ قد ارتكب من الجانب اللبناني. وعندها تفسّر هذه المناورات على أنها لمخاطبة مختلف أطراف فيينا وبغداد لتقول لهم في رسالة موحدة: «نحن هنا ولن يمر شيء في المنطقة من دون احتساب دورنا».