كتبت نوال الاشقر في لبنان 24 :

ينشغل اللبنانيون بالبيان الصادر عن  مصرف لبنان حول تسديد تدريجي  للودائع بدءًا من نهاية حزيران، بمبالغ تصل إلى 25 ألف دولار. وبصرف النظر عن توقيت صدور البيان عشية إطلاق منصّة "صيرفة"، وفي زمن البحث عن تمويل البطاقة التمويلية، ولكنّها المرّة الأولى التي يسمع فيها اللبنانيون عبارة "تسديد الودائع" منذ النكبة المالية والمصرفية، وذلك من قبل أعلى مرجعية نقدية في البلد.

 

توقيت إصدار البيان مساء الأحد في يوم العطلة الأسبوعية، يوحي وكأنّ الحاكم رياض سلامة كان على عجلة من أمره، وإلّا لكان انتظر حتّى صباح الإثنين لإصدار بيانه المفاجىء. ربما أراد الحاكم تهيئة أرضية مناسبة تساهم في فعالية المنصّة الجديدة، أو ربما أراد توجيه رسالة إلى الحكومة والقوى السياسية التي تضغط لتمويل البطاقة التمويلية من أموال الإحتياطي الإلزامي، فرمى بوجهها كرة البيان، على قاعدة إذا فعلتم نعيد الأموال إو جزءًا منها إلى أصحابها.

   

وفيما إلتزمت الحكومة الصمت حيال البيان، عبّرت المصارف عن سخطها وإن تحت مسمّى "مصادر مصرفية"، وراحت تشرح استحالة تأمينها السيولة اللازمة للبدء بإعادة جزء من المدّخرات، ولا عجب بذلك، وهي التي امتنعت عن تطبيق الدولار الطالبي بنسبة 10 الآف دولار سنويًا للطلاب الذي يتابعون دراستهم في الخارج، فكيف لها أن تعيد إلى الناس مبالغ تصل إلى 25 ألف دولار.

   

في قراءة اقتصادية لخلفيات مبادرة الحاكم، رأى الخبير الإقتصادي الدكتور باسم البوّاب أنّ البيان بمثابة ضغط على الحكومة منجهة، وعلى المصارف من جهة ثانية، مستبعدًا في حديث لـ "لبنان 24" أن تبدأ المصارف بتسديد الودائع، ليس لعدم تأمين السيولة الكافية فحسب، بل لأنّها وفي حال أمّنت السيولة لن تنفقها على إلتزامات قديمة بل على مشاريع جديدة.

 

أضاف البوّاب "من ناحية ثانية هناك ضغط على المركزي من المودعين ومن الطبقة السياسية لحماية الودائع الصغيرة ما دون الـ 25 ألف دولار، والتي تشكل النسبة الأكبر من الودائع، وتقدر  بمئات ألوف الحسابات، من هنا طلب من المصارف تزويده بالحسابات خلال مُهلة أقصاها 17 أيار، بشرائح الودائع وأرصدة الودائع بالليرة اللبنانية وبالعملات الأجنبية كما في 31/10/2019 وكما أصبحت في 31/3/2021، مع استثناء أي حسابات مفتوحة بعد 31/10/2019 وأي أموال جديدة في الحسابات القائمة".

   

اشتمل بيان المركزي على العديد من النقاط المبهمة، كالإشارة إلى التفاوض مع المصارف "لاعتماد آلية تبدأ بموجبها المصارف بسداد تدريجي للودائع التي كانت قائمة قبل 17 تشرين الأول 2019، وكما أصبحت في 31 آذار 2021، وبالعملات كافة".

 

ماذا لو فشلت عملية التفاوض مع المصارف؟ ما مصير الودائع في هذه الحال؟ إشكالية أخرى تمثّلت باشترط الحاكم الحصول على "التغطية القانونية"، علمًا أنّ استرجاع الوديعة لا يحتاج إلى قانون كما يشير البوّاب، كما أنّ قانون الكابيتال كونترول الذي ينظم عملية السحوبات والتحويلات لم يقر بعد.

   

السؤال الأبرز من أين ستؤمن الأموال لإعادة الودائع؟ هل ستدفع المصارف من زيادة رأس المال الذي كوّنته بناء على التعميم 154؟ أم سيدفع مصرف لبنان من الإحتياطي الإلزامي؟

 

هذه المسألة لم تتوضح بدورها، وبالتالي يندرج البيان وفق البوّاب في إطار عملية "شراء الوقت لحين تأليف حكومة أو الوصول الى انفجار  اجتماعي. وفي حال نجح التفاوض مع المصارف لإيجاد آلية تسديد الودائع تدريجيًا بدءا من نهاية حزيران، أعرب البوّاب عن اعتقاده أنّ الأموال ستُدفع بالليرة وليس بالدولار، ووفق سعر المنصّة الجديدة القريبة من سعر السوق الموازية، "وهكذا يتم إرضاء شريحة كبيرة من المودعين الذين سينزلون إلى الشارع للتظاهر،وبالتالي لا يبقى سوى كبار المودعين".

   

بالمقابل تطبيق البيان ليس مستحيلًا،ومن خلال الوفر الذي سيتحقق  بترشيد الدعم، يمكن تسديد الحسابات الصغيرة ولو بالتقسيط، ليصمد هؤلاء ستّة أشهر لحين تأليف حكومة أو تطبيق البطاقة التمويلية، وبذلك " يكون الحاكم قد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، خصوصًا بإشارته إلى نجاح تطبيق التعميم 154بزيادة رأسمال المصارف"

 

بأي الحال البيان ليس سوى تنفيسة صغيرة، ولا حلّ بعزل عن تأليف حكومة جديدة".