الإنتخابات في العالم العربي إجمالاً، سواء الرئاسية أو التشريعية أو حتى البلدية، في حال إجرائها، ليست بالضرورة انتخابات ديمقراطية تعكس رغبة الشعب، وغالباً ما نرى رئيس البلاد يفوز بنسبة تفوق 95 % من أصوات الناخبين، في الوقت الذي يعرف العالم أنّ المعارضة له قوية، وهذا يعني أن المعارضين إمّا تعرضوا لمضايقات حالت دون وصولهم الى صناديق الإقتراع، أو أنّ أصواتهم كان نصيبها الإلغاء أو عدم الإحتساب.
 
الربيع العربي الذي بدأ في أواخر عام 2010 في تونس أوجَد أملاً بأن هذا الواقع سيتغير، وأن الديكتاتوريات ستتهاوى، وأن الشعب سيكون له كلمته في اختيار ممثليه على جميع المستويات، إلا أن هذا الأمل لم يدم طويلاً إذ رأينا ما حصل في ليبيا ومصر وسوريا واليمن.

 

السلطة الوطنية الفلسطينية لم تكن استثناء في الإبتعاد عن الديمقراطية في الحياة السياسية، إذ أن آخر انتخابات حصلت فيها كانت عام 2006، ومنذ ذلك التاريخ ومحمود عباس (أبو مازن) يتولى الرئاسة متجنباً إجراء انتخابات تشريعية أو رئاسية.


 
 

بتاريخ 15 كانون الثاني من هذه السنة، أعلن أبو مازن أن الإنتخابات النيابية ستجري في 22 أيار والإنتخابات الرئاسية في آخر شهر تموز، وواضح أن صدور هذا الإعلان قبل خمسة أيام من دخول جو بايدن البيت الأبيض بعد فوزه في الرئاسة الغاية منه إرضاء الإدارة الأميركية الجديدة عبر إظهار قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤون بلادهم بديمقراطية، والسعي الى إعطائها المبرر لإلغاء قرارات ترامب المعادية للفلسطينيين، وإعادة توفير المساعدات الإنسانية، وتبني حل الدولتين، وإعادة إعطاء دور للفلسطينيين في التفاوض مع اسرائيل على هذا الحل.

 

ولكن قبل موعد إجراء الإنتخابات بثلاثة أسابيع، قرر الرئيس محمود عباس تأجيل الإنتخابات النيابية والرئاسية من دون تحديد موعد جديد لها، أي أن هذا التأجيل ليس سوى إلغاء للعملية الإنتخابية برمتها لتأمين استمراره على رأس السلطة الفلسطينية الى أجل غير محدد، وكذلك الأمر بالنسبة الى السلطة التشريعية.

 

الأسباب التي أعلنها الرئيس عباس لتبرير تأجيل الإنتخابات هي أن إسرائيل لم تسمح للفلسطينيين المقيمين في القدس بأن يمارسوا حقهم الإنتخابي. والغريب في هذا التبرير هو انّ ربط موعد الإنتخاب بموافقة إسرائيل على السماح لفلسطينيي القدس بالتصويت، يعني أن إجراء الإنتخابات الفلسطينية أصبح مرهوناً بقرار إسرائيلي.

 

أما الدافع الحقيقي وغير المعلن لقرار إلغاء الإنتخابات من قبل الرئيس عباس فهو، على ما يبدو، أنه يخشى من هزيمة كبرى بسبب الخلافات القوية القائمة ضمن منظمة فتح، وهذا من شأنه أن يؤمن فوزا واضحا لمنظمة حماس.

 

ردات الفعل على هذا الإلغاء كانت قوية في الداخل الفلسطيني، سواء من قبل حماس، أو من قبل مجموعات فلسطينية أصيبت بخيبة أمل بعد أن كانت تأمل بحصول تغييرات كبرى في القيادة الفلسطينية، كما كان هنالك انتقادات من قبل كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا التي أصدرت بيانا مشتركا دعت فيه السلطة الفلسطينية الى تحديد موعد جديد للإنتخابات في أقرب وقت ممكن.

 

مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الإتحاد الأوروبي جوزف بوريل أعرب بدوره عن خيبة أمله لقرار الإلغاء، كما أنّ المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند دعا الى تحديد موعد جديد للإنتخابات في الوقت الذي شددت فيه وزارة الخارجية الأميركية على أهمية الإنتخابات، معتبرة أن تحديد مواعيد الإنتخابات يعود للشعب الفلسطيني وقياداته.


 
 

لا بد من التوضيح هنا ان الإنتقادات الأوروبية والأميركية لإلغاء الإنتخابات كانت مجرد انتقادات كلامية لم يرافقها أي قرار عملي لمعاقبة السلطة الفلسطينية، وقد يكون ذلك عائدا الى ارتياح ضمني إذ أن هذه الدول تتخوف من تسلّم حماس السلطة في فلسطين، مع ما سيرافق ذلك من صعوبات لتحقيق تقدّم على صعيد مفاوضات السلام المحتمل حصولها في عهد جو بايدن واعتراف إدارته بحل الدولتين.

 

الديمقراطية تعني أن الشعب يختار ممثليه وقادته وفق انتخابات حرة ونزيهة، وضمن فترات تحددها دساتير وقوانين كل دولة، ولا تعني إطلاقاً أنه يجوز إلغاء عملية التصويت عندما تشعر السلطة بأن النتيجة قد لا تكون لصالحها.

 

في لبنان، سبق أن حصلت تأجيلات متكررة للإنتخابات النيابية أثناء الحرب بين عامي 1975 و1990، وبالطبع لم يكن من الممكن في تلك الفترة إجراء أية انتخابات بسبب العمليات العسكرية والظروف الأمنية آنذاك، ولكننا الآن بدأنا نسمع تعليقات متكررة حول احتمال تأجيل الإنتخابات المقرر إجراؤها دستورياً قبل انتهاء مدة المجلس النيابي الحالي في شهر أيار من العام القادم، والذين يتحدثون عن هذا الإحتمال يستندون الى معطيات أهمها:


 

أولاً: الفريق الذي عنده الأكثرية حاليا في المجلس النيابي قد فقد الكثير من التأييد الشعبي له بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، وبسبب المعارضة القوية التي ازدادت حيوية ونشاطاً في الظروف الحالية التي يمر بها البلد، ما يعني احتمال فقدان هذا الفريق للأكثرية النيابية في حال إجراء الإنتخابات.

 

ثانياً: عندما استقال 10 نواب السنة الماضية، كان من المفترض دستوريا إجراء انتخابات فرعية لملء الفراغ الناجم عن استقالتهم، ولكن رئاسة المجلس تجاهلت الموضوع كليا، وتركت هذه المقاعد شاغرة، ربما خشية من أن تظهر قوة المعارضة في حال إجراء هذه الإنتخابات الفرعية، ما سيعطي المعارضين زخما وحماسا عند إجراء الإنتخابات العامة لاحقا، في أجواء الغضب الشعبي المتزايد نتيجة لعدم معالجة الأمور الحياتية من قبل المسؤولين الذين يتعرضون لكثير من الإنتقاد من قبل معظم الطبقات الشعبية.

 

ثالثاً: بالرغم من تدخل دول خارجية فاعلة مثل فرنسا والولايات المتحدة ومصر وغيرها لِحثّ السياسيين اللبنانيين على تشكيل حكومة جديدة والقيام بإصلاحات من شأنها أن تسمح للمجتمع الدولي بمساعدة لبنان للنهوض من الأوضاع التي يرزح تحتها، ما زال السياسيون غير آبهين بالنصائح الدولية، ربما لمعرفتهم أن الإصلاحات قد تقضي على مستقبلهم السياسي وعلى الثروات التي جَنوها من الفساد، ولذلك من المرجح، برأي بعض المراقبين، عدم قبول هؤلاء السياسيين بإجراء انتخابات نيابية في المستقبل القريب قد تنهي امتيازاتهم وتسلّمهم لمقدرات البلد.


 
 

إذا كان الرئيس محمود عباس قد وجد عذرا إسرائيليا، وإن كان غير مقنع، لتأجيل الإنتخابات في فلسطين، فما هو العذر الذي يمكن تقديمه في لبنان لإلغاء الإنتخابات النيابية أو تأجيلها؟

 

يرى الذين يعتقدون أن الإنتخابات النيابية قد يتم تأجيلها في لبنان أن أعمال عنف وشغب قد تحصل بعد فترة قصيرة، إذ أن النداءات للنزول الى الشارع تزداد يوما بعد يوم، والتشجيع على القيام بثورة ضد المسؤولين السياسيين يتوالى، ويصعب أن يبقى الشعب ساكتا مع التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية، ومن المحتمل جدا أن تترافق التظاهرات مع محاولات لقمعها من قبل مناصري الفريق الآخر، حتى وإن كانت تظاهرات سلمية، مثلما حصل أثناء تحركات تشرين 2019. وفي ذلك ما يخلق عذرا أمنيا لتأجيل الإنتخابات.

 

الملفت هنا، والذي يعطي المشككين باحتمال تأجيل الإنتخابات النيابية بعض الصدقية، هو ما يصدر من تصريحات، سواء في الداخل أو على لسان مسؤولين أجانب، تشدد على ضرورة إجراء الإنتخابات في مواعيدها الدستورية، وتحذّر من مخاطر وعواقب تأجيلها.

 

هذا مع العلم أن أي تأجيل لهذه الإنتخابات من شأنه أن يزيد الإنتقاد لعهد فخامة الرئيس ميشال عون، في ظل ما يعانيه البلد في هذه الأوقات من أزمات مالية واقتصادية أدّت الى تدهور كبير في الأوضاع المعيشية، علماً أننا لسنا هنا في معرض تحميل هذا الفريق أو ذاك مسؤولية ما وصلت اليه البلاد.

 

يضاف الى ذلك أنّ تجديد المجلس النيابي من شأنه أن يخلق جوا من الأمل والتفاؤل في إمكانية حل بعض المشكلات السياسية والإقتصادية، أما استمرار الوضع على ما هو عليه فسيخلق خيبة أمل لدى اللبنانيين وأصدقاء لبنان الذين يودّون مساعدتنا، وسيزيد من المعارضة للعهد الذي سيُتهم بأنه، بالإضافة الى عدم تمكّنه من تأمين الخدمات الأساسية للشعب ومعالجة الأزمات الخانقة، فهو أيضاً لا يستطيع إجراء انتخابات نيابية تؤدي الى بعض التغيير في الطبقة الحاكمة.

 

أخيراً، يقول الذين يعتقدون أن هنالك توجهاً لتأجيل الإنتخابات لدى الذين يمسكون بزمام الأمر، انّ الغاية من التأجيل هي تأزيم الوضع السياسي والإقتصادي أكثر وأكثر، بغية توجيه لبنان شرقا نحو سوريا وإيران وروسيا، إذ أنهم واعون أن أي دعم لن يصل الى لبنان من الغرب في ظل هكذا أوضاع، ما قد يحمل اللبنانيين على طلب المساعدة "ولو في الصين".

 

المهم في الختام أنه ما زال أمام اللبنانيين سنة لموعد الإنتخابات، ونأمل أن تحصل في خلال هذه السنة تطورات إيجابية تسمح بتشكيل حكومة جديدة تستطيع إخراج لبنان من المأزق الذي هو فيه، وأن تجري لاحقاً الإنتخابات النيابية في مواعيدها، ويتقرر بنتيجتها إن كان سيحصل تغيير جذري في الطبقة السياسية وطريقة الحكم.

 

لقد مرّ لبنان في تاريخه الطويل بأزمات وحروب واحتلالات ومجاعات وزلازل وظروف قاسية جدا، وكان يخرج منها في كل مرة ويتمكن من استعادة حيويته وقوته، وأملنا كبير في أن ينجح في الخروج قريبا من المأساة التي يعيشها حاليا مثلما كان يحصل في السابق.