«يعيش أهل بلدي وبينهم مافيش

تعارف يخلّي التحالف يعيش

تعيش كل طايفة من الثانية خايفة

وتنزل ستاير بداير وشيش

لكن في الموالد يا شعبي يا خالد

بنتلم صحبة ونهتف يعيش

يعيش أهل بلدي».

(أحمد فؤاد نجم)

 

قصيدة أحمد فؤاد نجم «يعيش أهل بلدي» موجعة وعميقة، فيها بساطة روح أهل مصر وخفّتها، لكنها في الوقت نفسه شديدة الدقّة في وصف حال علاقة فئات المجتمع ببعضها. اليساريون القدماء يعرفونها بصوت الشيخ إمام، لكنني أنصح متذوقي الشعر العامي قراءتها كلها. لكن ما لي أنا وذاك الاسترسال، فقلة من الناس تأبه بالشعر، لكن الحديث اليوم سيكون عن الدجّال.

 

الدجّال يعني الكذّاب، كما يعني أيضاً من يغطّي أو يخفي الشيء حتى لا يراه الناس. والدجّال هو الذي يلجأ إلى طلاء الشيء بماء الذهب ليتوهم الناس ببريقه أنّه ثمين. على هذا فلا بدّ من ن تتوافر للدجل أركان عدة، أحدها هو سوء النية والمقصد، كما لا بدّ أن تتوافر في الذي تنطلي عليه الأكاذيب، السذاجة في التفكير، حتى يقع ضحية الأمل الخادع بما يعد به الدجّال. عالم البشر مشحون بالدجل ويعج بالدجّالين في كل زمان ومكان، والسياسة عادة هي الموقع المفضّل لممارسة الدجل.

   

والدجّالون غالبيتهم يحتالون بإسم الدين أو بإسم الشعب، موهمين الناس بأنّهم موكلون بمهمّة أرادها الشعب والتاريخ والقدر لهم واختصهم بها دون غيرهم، وهم في هذا المقام لا حاجة بهم إلى تعليل أو تبرير، فإرادة القدر لا نقاش فيها ولا سؤال ولا جدال، فهي فوق كل إرادة.

 

«أنا لم أختر أن أكون زعيماً ولا قائداً، لكن القدر أتى بي لأخدمكم، وأنا زاهد بالمناصب والكراسي ولا أريد شيئاً في حياتي إلّا استرداد حقوقكم المسلوبة». لا يمكن إحصاء كم من دجّال أتى إلى عالمنا، كما إلى عوالم أخرى غيرنا، مردداً التعابير نفسها، ناسباً نفسه إلى القدر ذاته، كغيره من أعدائه، وإن كان من يخاطبهم غير من خاطبهم غيره، لكن الشعب هو الشعب، تعبير بالمجهول، مجرد حجة لمن ليس له حجة، ومن بعدها يصبح الدجّال حبيب الشعب وبطل الشعب وخادم الشعب ومنقذ الشعب... ويصبح القصر الذي ورثه عن خائن الشعب، قصراً للشعب، بعد أن كان وكراً لسارقي حقوق الشعب!

 

الغريب، وربما المريب، هو قدرة الدجّال على توليد نفسه من رماد دجّال آخر، وفي كل مرة فإنّ «الشعب» الباحث عن راعٍ يداوي جرحه بما كان هو الداء، أي يبدّل دجالًا قديماً بواحد جديد، إلى أن ينضب حبل الكذب، وهكذا دواليك. الغريب العجيب هو أنّه حتى هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم نخباً، ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية وأكاديمية، يقعون هم أنفسهم، وفي كثير من الأحيان يتواطؤون لتسويق الدجّال، كأمل وحيد وخيار وحيد ومستقبل لا بديل منه، أتى به القدر نفسه الذي أتى بمن كان قبله. ومن يستغرب هذا الكلام ما عليه إلاّ أن يعود إلى ذاكرة ألمانيا النازية أو إيطاليا الفاشية أو اسبانيا الكتائبية، ولمَِ لا، الولايات المتحدة الترامبية، ليتأكّد أنّ من الممكن حتى لأكثر الشعوب عراقة في العلم والمعرفة أن تقع ضحية دجل دجّال، خصوصاً إن تواطأت معه نُخَب، بعضها مقتنع، وآخر مرتش، ومنهم من يئس من الفراغ القاتل فوجد الملاذ في دجّال جديد.

 

مثل الفيلسوف الأعظم في القرن العشرين، خليفة نيتشه وحامل رايته، مارتن هيدغر صاحب كتاب «الكينونة والزمان»، حمل راية النازية ووضعها على زنده، مثله مثل أي تافه من فرقة الصاعقة النازية. كانت ألمانيا اليائسة تبحث عن منقذ ونبي جديد يقودها إلى أرض ميعاد وينتشلها من الفقر وفقدان الأمل. هيدغر ظنّ أنّ بإمكاناته الفكرية يستطيع أن يوجّه سيل نهر الشعبوية الشعبية الهادر إلى برّ العقل والفلسفة. كان ذلك عام 1933، يوم تسلّم أدولف هتلر موقع الدجّال كمستشار في ألمانيا العريقة بالفن والعلم والأدب والحقوق، فتحول بسرعة إلى الفوهرر، وصار شعبها شعب هتلر العظيم، السائر قدماً على طريق المحرقة التي ذهب ضحيتها النازي واليهودي والسلافي على حدّ سواء، كما الشيوعي والرأسمالي. لم يفد مارتن هيدغر انسحابه من أنشطة الحزب، ولم يفده اللعب على حافة الحقيقة، فخسر قدرته على تحويل مسار المحرقة لبناء مستقبل العالم الثقافي، وتحول منبوذاً بعد الحرب تحاشى معظم تلامذته حتى الإعتراف به.

   

في لبنان اليوم قصور شعوب متعددة، ولا يوجد فيها دجّال مختلف عن دجّال آخر، كلهم لا يريدون السلطة ولا المال، لكن كلهم انتدبهم القدر لخدمة الشعب! واسترداد حقوقه المسروقة، من شعب آخر يقوده دجّال آخر يسترد الحقوق المسروقة! وكأي بلد فيه من النخب ما فيه، علينا أن نكسر حلقة الدجل المستندة إلى استعادة الحقوق والدجّال الذي أتى به القدر، والذهاب إلى حكومة من دون دجّالين، قد توقف الانهيار، وتهدم فوهة الجحيم الذي نسير إليه بالتأكيد.