لا يفترض الاستهانة بالمفاوضات النووية الجارية، ولا المفاوضات السعودية - الإيرانية، حيث انّ نجاحهما يعنيان انتقال المنطقة من العنف واللا استقرار إلى السلام والاستقرار.

 

كان ملفتاً قول السيد حسن نصرالله في مناسبة «إحياء يوم القدس العالمي» انّ «محور المقاومة تجاوز أخطر مرحلة استهدفت وجوده وكيانه في المنطقة وعلى مستوى الإقليم»، وبمعزل عمّا إذا كان قد تجاوز هذه المرحلة أم لا، إلاّ انّ إقراره يؤكّد انّ إدارة الرئيس دونالد ترامب نجحت في تسديد ضربات موجعة لهذا المحور، ليس أقلّها اغتيال قاسم سليماني، وأما أهمها فتمثّل في رفض رفع الحظر عن طهران ما لم تلتزم بالسقف الدولي ليس فقط نووياً، إنما باليستياً ودوراً على مستوى المنطقة. والإدارة السابقة كانت أشارت في وضوح إلى الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته إدارة أوباما بالفصل بين الاتفاق النووي والدور الإيراني، الأمر الذي سمح لطهران ان توظِّف رفع العقوبات عنها بتعزيز دورها المتمدّد إقليمياً.

 

والمشكلة مع إيران، ليست في تحوّلها دولة نووية، تضاف إلى عشرات الدول النووية، إنما في توظيف السلاح النووي او الاتفاق النووي، تعزيزاً لاختراقاتها الإقليمية وتهديد أمن دول المنطقة واستقرارها، وتحوّلها الدولة الأقوى إقليمياً، وفرضها سياسات تتناقض مع دساتير تلك الدول وتوجّهاتها. وبالتالي، تشخيص إدارة ترامب لأي حلّ مع إيران كان صائباً لجهة عدم جواز الوصول إلى اي تسوية معها ما لم تتحول من دولة خارجة عن الشرعية الدولية، إلى دولة تحت سقف هذه الشرعية، فلا يجوز ان تلتزم مثلاً بالشروط الدولية في النووي، وأن لا تلتزم بالشروط نفسها في ما يتعلّق بدورها.

   

ويصعب تأكيد او نفي ما إذا كانت الإدارة الأميركية الحالية تواصل نهج الإدارة السابقة نفسه ولو بأسلوب مختلف شكلاً، فيما الأسابيع المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ذلك. إلّا انّ دخول الرياض على خط التفاوض السرّي مع طهران، يعكس قلقاً سعودياً من إعادة استنساخ حقبة الرئيس أوباما، فأطلقت مساراً تفاوضياً بالتوازي مع المسار الدولي، تجنباً لارتدادات اي تسوية دولية نووية مع إيران، وبالتالي التفاوض السعودي-الإيراني هو تفاوض احترازي واستباقي.

 

ولكن العنصر الاستراتيجي المتحوِّل بين زمن إدارة ترامب وإدارة بايدن اليوم، يكمن في توقيع إسرائيل رزمة اتفاقات مع أربع دول عربية، جعلتها على الحدود الإيرانية. ولم يعد في الإمكان التوصل إلى اي تسوية دولية أو إقليمية لا تأخذ في الاعتبار المعطى الإسرائيلي، أو تتجاهل المعطى الروسي الممسك بالقرار السوري، خصوصاً انّ المطروح تسوية على مستوى المنطقة لا تسويات جزئية، يمكن ان تنهار في اي لحظة، بفعل عدم تغيير الاستراتيجية الإيرانية الاقتحامية والتمددية.

 

فأي تسوية على سبيل المثال في اليمن لن تعمّر طويلاً، في حال لم تبدِّل إيران في سياساتها ونهجها في العراق وسوريا ولبنان وغيرها من الدول، لأنّه على طريقة عدم جواز ان تكون طهران تحت السقف الدولي نووياً وخارج هذا السقف دوراً، فلا يصحّ ان تعدِّل في دورها في مكان، وان تواصل أدوارها كالمعتاد في أمكنة أخرى، لأنّ هذا التعديل سيسقط في أول فرصة ترى فيها موجباً لإعادة استخدام أسلوبها القديم، وبالتالي، إما ان تبدِّل في جوهر دورها، وإما انّ ما يُبنى سينهار عند اي مفترق.

 

فالمسألة تتعلق بمبدأ الدور الإيراني، فإما ان يتبدّل من دور عسكري وأمني إلى دور سياسي وسلمي، وإما انّ الأزمة في المنطقة ستراوح. وفي حال تكرر سيناريو أوباما بفصل النووي عن الدور، فيعني انّ الأزمات ستتواصل وتتراوح بين حروب باردة وأخرى ساخنة، ولكن يبدو انّ المطروح هذه المرة إنهاء أزمة الشرق الأوسط، من أجل ان تتفرّغ واشنطن لملفات أخرى. والإنهاء يعني الوصول إلى تسويات تعيد الاعتبار إلى سيادة الدول ودساتيرها.

 

ويخطئ من يعتبر انّ الرياض معنية بحدودها اليمنية حصراً والتهديد الحوثي لأمنها واستقرارها، إنما معنية بسيادة كل الدول العربية، كونها في موقع قيادة محور العالم العربي، وتميِّز بين التسويات الجزئية التي يمكن إبرامها في أي دولة وفي أي وقت، وبين التسوية النهائية التي تشكّل هدفاً ينقل المنطقة من حقبة التهديد إلى حقبة الاستقرار. وعلى رغم الدور السعودي الإقليمي الكبير، إلّا انّ من يتحمّل تبعات فصل النووي عن الدور الإيراني هو واشنطن لا الرياض، التي تجد نفسها في موقع المتلقي للسياسة الأميركية.

   

وبالانتقال إلى لبنان، فإنّه عانى في العقود الأخيرة من دورين: السوري ومن ثمّ الإيراني. ومع خروج الجيش السوري في العام 2005 انتقل القرار الاستراتيجي اللبناني من دمشق إلى طهران. ومع اندلاع الحرب السورية انتفى التأثير السوري على لبنان بنحو نهائي تقريباً. ومن الخطأ إعطاء اي وزن للنظام السوري الفاقد قراره السيادي والخاضع للنفوذ الروسي، ولن تتمكن دمشق من استعادة دورها الإقليمي، والكلمة الفصل في سوريا أصبحت لموسكو لا طهران، والميليشيات الإيرانية ستضطر إلى الخروج من سوريا عاجلاً أم آجلاً، وأي استعادة محتملة لمقعدها في الجامعة العربية لا يخرج عن سياق الخطوة المعنوية والرسالة الإيجابية الموجّهة لروسيا أكثر مما هي للنظام السوري، الذي سيبقى في موقعه إلى ما بعد انتهاء الأزمة في المنطقة والوصول إلى تسوية في سوريا، فيما الملفات الاستراتيجية ستكون ممسوكة من موسكو.

 

وكل الكلام عن دور متجدِّد للنظام السوري يدخل في سياق الاستهلاك السياسي والإعلامي. فالمشكلة الجوهرية في لبنان لم تعد مع سوريا التي تسيطر عليها روسيا، إنما مع سلاح «حزب الله» ودوره الإقليمي. وما لم ينتظم الحزب تحت سقف الدولة والمؤسسات الدستورية، فإنّ الأزمة اللبنانية ستراوح. ويفترض ان تكون الدول المعنية اتعظت من مسألة أساسية، وهي انّ غض نظرها طويلاً عن دور الحزب حوّله مشكلة على مستوى المنطقة لا لبنانية فقط، وأدّى إلى تعزيز دوره وقوته. وعدم معالجة هذه المشكلة يعني انّ انعكاساتها لن تقف عند الحدود اللبنانية.

 

ولم يعد الوضع في لبنان يتحمّل تسويات تجزيئية وترقيعية، خصوصاً بعد الانهيار المالي الذي أصابه، إنما يتطلب تسوية نهائية يكون لها طابع الديمومة والاستمرارية. وهنا تأتي أهمية دعوة البطريرك بشارة الراعي إلى إعلان حياد لبنان، كذلك دعوته إلى عقد مؤتمر دولي من أجل لبنان. وقد استبق في عنواني الحياد والمؤتمر، انطلاق المفاوضات الدولية النووية، والسعودية-الإيرانية، واضعاً بذلك المجتمع الدولي أمام ثلاث لاءات: لا تسوية إقليمية على حساب لبنان؛ لا مقايضة على حساب لبنان؛ لا حلّ لأزمة المنطقة من دون حلّ الأزمة اللبنانية.

 

ويُسجّل للبطريركية المارونية انّها استبقت كل المناخ التفاوضي المستجد دولياً وإقليمياً، وحجزت مقعداً للبنان في أي تسوية محتملة، وذلك بدعم الفاتيكان الحريص على استمرار آخر بقعة مسيحية وازنة في الشرق في تجربة تعايشية نموذجية، فيما جسّ النبض الدولي أظهر حرصاً على سيادة لبنان واستقلاله، وتأكيداً انّه ليس في وارد اي مقايضة على حسابه. وفي مطلق الحالات، لبنان اليوم يختلف على أكثر من مستوى وصعيد، عن لبنان مطلع تسعينات القرن الماضي. وكل الضغط الدولي لتأليف الحكومة يندرج في إطار شراء الوقت منعاً لانزلاق البلد إلى الفوضى والحرب في هذا الوقت المستقطع، لأنّ جلّ ما هو مطلوب منه الصمود، حتى تظهر معالم التسوية الدولية والإقليمية. فإذا دخلت المنطقة عصر التسويات لن يكون لبنان خارجها، والمؤتمر الدولي سيتوِّج التسوية اللبنانية - اللبنانية. وإذا انهارت المفاوضات سيبقى لبنان ساحة مستباحة، لأنّ أزمته إقليمية، ولا إمكانية لحل هذه الأزمة سوى بحلّ أزمة المنطقة.

   

والسؤال الأساس الذي يطرح نفسه مع زحمة المفاوضات الدائرة مباشرة ومداورة: هل البحث جار عن تسوية نهائية تُدخل المنطقة في استقرار مستدام، أم عن هدنة تلتقط فيها القوى المعنية أنفاسها، وتأخذ إجازة صغيرة قبل ان تعاود أنشطتها المهدّدة للاستقرار؟