يتقدّم الملف الحكومي قليلاً ليعود ويتراجع كثيراً، ومع تراجع حدة المواجهات بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري يعود الكلام عن مَساع ووساطات، وفي كل زيارة يقوم بها أحد المسؤولين إلى الخارج يتجدد الحديث عن محاولات واحتمالات وفرَص ستبقى ضائعة ما لم يتم التوصّل إلى تسوية سياسية بين عون والحريري.

العقد الحكومية الظاهرة هي حقيقية ولكنها ليست أساسية، أي يتمّ التلطي خلفها كحجج واقعية بانتظار الاتفاق السياسي بين العهد والرئيس المكلف، وما لم يحصل هذا الاتفاق فإن الحكومة لن تتشكّل وستبقى الذرائع نفسها: من يسمّي وزير الداخلية او وزير العدل؟ ومن يسمّي الوزراء المسيحيين من خارج حصة رئيس الجمهورية؟ وما مصير الثلث المعطِّل؟ وهل وزراء الثنائي الشيعي اقترحهم الرئيس المكلف أم ان الأخير التزم بتسمية الأسماء التي زوِّد بها؟ وهل تقيّد الرئيس المكلف بمعيار واحد في اختيار الوزراء؟ وهل رست القاعدة على حكومة من ثلاث 888 بانتظار ان يستكمل البحث في العقد العالقة؟ وغيرها طبعاً من العقد التي يتمّ التداول بها.

 

والكلام عن اتفاق سياسي بين عون والحريري يسبق التأليف ليس انتقاصاً من أحد ولا انتقاداً لأحد، إنما يكون توصيفاً لواقع الحال الكامن في العقدة الأساس والمركزية والتي من دونها لن تبصر الحكومة النور، وتأسيساً أيضاً على تجربة الحكومات التي تألفت في العهد العوني الذي يريد رئيساً للحكومة شريكاً له على غرار ما كان عليه الوضع إبّان ترؤس الحريري لحكومتي العهد الأولى والثانية، وعلى غرار الرئيس المستقيل حسان دياب، حيث ان عون لا يريد رئيساً على صدام معه وخلاف، بل يريد التفاهم مع اي رئيس حكومة حول عنوانين أساسيين: التكافل والتضامن في الفترة المتبقية من العهد، والتكافل والتضامن في مرحلة الفراغ.

   

والرئيس المكلف يدرك في قرارة نفسه انّ العقدة سياسية لا حكومية، ولا يريد ان يجدد التسوية مع العهد للأسباب الآتية:

 

أولاً، لاعتبارات شخصية حيث من الواضح انّ الجرّة بين الحريري والنائب جبران باسيل قد انكسرت بالكامل، ومن الصعب ترميمها في ظل سعي كل طرف إلى تسجيل نقاط في ملعب الآخر وصولاً إلى كسره.

 

ثانياً، لاعتبارات سنية حيث ان التقارب مع باسيل ينعكس سلباً على وضعية الحريري داخل البيئة السنية، فيما عدم اللقاء والمواجهة معه يعزّزان وضعيته سنياً لجهة ظهوره بمظهر الرافض تقديم اي تنازل للعهد «القوي».

 

ثالثاً، لاعتبارات وطنية لناحية انّ العهد أصبح ضعيفاً ويفتقد إلى البيئة اللبنانية الحاضنة وإلى التحالفات السياسية، وبالتالي الاقتراب منه يضر بصورة الحريري، فيما الابتعاد عنه يفيده.

 

رابعاً، لاعتبارات حكومية حيث ان الحريري الذي اختبر على مدى حكومتين متتاليتين العلاقة مع العهد، يُدرك استحالة ان يشكل تأليف الحكومة مخرجاً من الأزمة المالية، باعتبار انّ تحقيق الإصلاحات مسألة متعذّرة لارتباطها بسياسة المصالح والأمر الواقع.

 

خامساً، لاعتبارات خارجية عربية وخليجية تحديداً ترى في العهد حليفاً لـ»حزب الله»، والتعاون معه حكومياً يُسيء إلى علاقة الحريري مع هذه الدول، فيما محاولة تأليف الحكومة من موقع ربط النزاع تُعزّز رصيده.

 

وفي موازاة اعتبارات الحريري الموضوعية، فإنّ الاعتبار الأوحد للعهد يكمن في تأليف حكومة مع شخصية يَتّكئ عليها وتتكئ عليه، ويتفق معها على الأمور التكتية والاستراتيجية، والتي تتراوح بين اليوميات السياسية والملفات المتعلقة بالدولة وإداراتها، وصولاً إلى الاستحقاقات الوطنية التي تبدأ بالاستحقاق الرئاسي، ولا تنتهي بالانتخابات النيابية.

 

ومن الثابت لغاية اللحظة انّ العهد لا يريد تأليف الحكومة مع الحريري، وسعى جاهداً لاستبعاد هذا الخيار، ولكنه لم يفلح، والغضب على الحريري مردّه إلى استقالته على أثر انتفاضة 17 تشرين والتي أدت إلى توجيه كل الضغوط على العهد، ولكنه لا يستطيع تحميل الحريري ما لا قدرة له على تحمّله. وبالتالي، إنّ مأخذه عليه هوفي غير محله، خصوصاً انّ مأخذ جمهور الحريري عليه انه تأخر في الاستقالة.

   

وفي كل الأحوال العلاقة بين الرئيسين واستطراداً باسيل «مش راكبة»، وأولويات الطرفين متباعدة. فأولوية الحريري إنجاح حكومته وترسيم العلاقة مع العهد، فيما أولوية عون إمساك مفاصل الحكومة والسلطة في المرحلة الفاصلة عن انتهاء الولاية وبعدها، ولن يكون عون في وارد تأليف حكومة مع شخصية يبدأ الخلاف معها من جدول أعمال مجلس الوزراء، ولا ينتهي مع الانتخابات الرئاسية.

 

ولن تنفع كل الضغوط الخارجية والداخلية في دفع العهد إلى التراجع عن موقفه، والدليل انه يواصل فتح الملفات والمواجهات وكأنّ البلد بألف خير، لأنّ أولويته تكمن في سلطته ونفوذه، وما لم يؤمّن السلطة والنفوذ لن يؤلِّف الحكومة، وعلاوة على ذلك لا يريد الحريري في السرايا الحكزمية كَون أزمة الثقة بينهما أصبحت كبيرة جداً، ويعتبر انّ للحريري مرشحه الرئاسي، وأنه أعاد إحياء الثلاثية التي تضمّه والرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط.

 

فلا حكومة ما لم يسبقها اتفاق سياسي بين العهد برُكنَيه عون وباسيل من جهة، والرئيس المكلف، أيّاً يكن هذا الرئيس، من جهة أخرى، فهو لا يريد التفريط بسلطته بما تبقّى له من ولاية ومن ثم الفراغ الرئاسي الآتي، ولا مشكلة لديه في حال استمر الفراغ حتى آخر عهده، أو انزلقَ البلد إلى الفوضى في حال لم تتألّف الحكومة، إنما المهمّ، بالنسبة إليه، ان يكون الجالس في السرايا موثوقاً ومضموناً وحليفاً له.

 

وعلى رغم انّ خيار العهد الأساسي هو اعتذار الحريري كونه لا يرغب التعامل والتعاون معه، إلّا انّ اي حكومة يترأسها الحريري يجب ان يسبقها Package Deal بينه وبين عون وباسيل، وما لم يحصل هذا الاتفاق فإنّ الحكومة لن تؤلّف.

 

ويَتكئ العهد في موقفه على 4 عوامل أساسية:

يتكئ أولاً على حليفه «حزب الله» الذي لن يضغط عليه للتأليف ضد مصلحته، ولن يتخلى عنه.

ويتكئ ثانياً على كون موقعه، بشكل أو بآخر، ثابت، فيما موقع الرئيس المكلف متحرِّك. وبالتالي، من الأسهل ان يعتذر الحريري على ان يستقيل عون.

ويتكىء ثالثاً على المجتمع الدولي الذي يريد حكومة بأي ثمن تلافياً للفوضى، وعلى رغم انّ الحريري يحظى بدعم موسكو وباريس والقاهرة وابو ظبي، إلّا ان عون يراهن على غياب الخيارات لدى عواصم القرار، وغياب القرار الحاسم لديها. ويراهن عون على انّ تمسّكه بموقفه سيجعل المجتمع الدولي يطلب من الحريري الاعتذار، وليس من رئيس الجمهورية الاستقالة.

  ويتكئ رابعاً على الحريري نفسه، الذي رغم رفضه الاعتذار، لن يُجاري العهد بالانتحار.

 

وفي الخلاصة، لا حكومة برئاسة الحريري سوى في حال أبرمَ تسوية سياسية مع عون وباسيل، وبما انّ الحريري ليس في هذا الوارد حتى اللحظة، فهذا يعني إمّا انّ الفراغ سيمتد حتى نهاية العهد، وإمّا ان الحريري سيُعيد النظر في موقفه باتجاه الاتفاق السياسي او الاعتذار.