تلقّى المسؤولون الكبار في الدولة تقارير من الجهات الامنية اللبنانية، حول القلق الكبير بسبب المخاطر والتحدّيات التي تنتظر لبنان خلال الاسابيع المقبلة.

وفي هذه التقارير، خشية جدّية من المرحلة التي ستلي عيد الفطر، بسبب الاوضاع الاقتصادية والمالية، والارتفاع الكبير في صفوف العاطلين من العمل، وسط إقفالات متلاحقة ومتسارعة للمؤسسات الاقتصادية والسياحية. ووفق هذه التقارير، فإنّ معدل شراء الاسلحة الفردية ارتفع خلال المراحل الماضية، مع إقدام العائلات اللبنانية على اقتناء السلاح الفردي، نظراً لازدياد منسوب الفوضى والاعمال المخلّة بالأمن، والتي من المرجح ان تتضاعف مرات عدة مع خطة رفع الدعم، والتي لم يعد هنالك مفرّ من تطبيقها، لأنّ خلاف ذلك سيعني زوال البلد. والاسوأ من ذلك، الاوضاع الصعبة للعناصر الامنية والعسكرية، والتي ستؤثر من دون ادنى شك على مسؤولياتهم في ضبط الشارع، فكيف يمكن لهؤلاء معالجة اصعب انواع المشكلات والتحدّيات في الشارع، فيما عائلاتهم تعاني معيشياً؟

 

في الواقع، يبدو أيار شهراً صعباً جداً، خصوصاً بعد الانذار الذي اطلقه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حول عدم قدرته على الاستمرار في سياسة الدعم في مهلة اقصاها نهايته.

   

في السابق لوّح سلامة بالامر نفسه، لكنه عاد عنه بعد خفض قيمة الاحتياط الالزامي من 17 مليار دولار الى 15 ملياراً. وقيل ايضاً انّ سلامة سمع تنبيهاً يشبه التحذير، بعدم السير في خطوة رفع الدعم. وهذا التنبيه الذي جاءه من مسؤولين كبار، تمّت مواكبته بالسلّة الغذائية المدعومة، التي تبين لاحقاً انّها شكّلت باباً جديداً للفساد، بالإضافة الى قطاع المحروقات. لكن سلامة يعتبر الآن، انّ عدم رفع الدعم سيعني الوصول الى ما دون حاجز الـ 15 مليار دولار نهاية ايار، وهي مسألة مخالفة للقانون ومرفوضة دولياً، ما يعني انّ احتمال توقف كل مصارف المراسلة خارج لبنان عن التعاون يصبح مسألة حتمية.

 

رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب، الذي سيبقى رافضاً عقد اي جلسة للحكومة المستقيلة لإقرار رفع الدعم عن المحروقات، اقترح اصدار قانون عن مجلس النواب، وأن يكون ذلك مرفقاً ببطاقة تموينية للعائلات الفقيرة والمقدّرة بـ 750 الف عائلة. لكن العمل على إنجاز هذه البطاقات سيتطلب اشهراً عدة، أضف الى ذلك، أنّ القوى السياسية التي باشرت تحضيرها للانتخابات النيابية ستجد في هذه البطاقات منفعة انتخابية، وهي نفسها التي عملت قبل الانتخابات السابقة على اصدار سلسلة الرتب والرواتب بنحو غير مدروس، ومن ثم توظيف اكثر من 6 آلاف شخص في المؤسسات العامة، وهو ما أدّى فعلياً الى تدشين مرحلة الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان. فبالنسبة الى هذه القوى والاحزاب، فإنّ حسابات الانتخابات اهم بكثير من المصلحة العامة. المهم، انّ الحلول غير متوافرة خلال الاسابيع القليلة المقبلة، فيما واقع الخزينة لن يتحمّل التأجيل ومعه، فإنّ الفوضى في الشارع تصبح النتيجة المحتمة. والخطير انّ الدولة تتحلّل اكثر فأكثر، مؤسساتها تتعرّض للتفكّك واحدة بعد الأخرى، ما يجعلها فريسة سهلة لأي قوة خارجية تريد الانقضاض على البلد. من هنا، ربما التحذير الاميركي عبر وكيل وزارة الخارجية ديفيد هيل، الذي رسم خطاً أحمر حول مصرف لبنان كمؤسسة لا كأشخاص، وخطاً أحمر حول الجيش اللبناني، المؤسسة الاخيرة القادرة على حماية حطام الدولة، املاً في اعادة بنائها لاحقاً.

 

هو النزاع السياسي العنيف وفق اسلوب الانتحار الجماعي والارض المحروقة، ولو كان الناس هم الوقود.

 

في المحصلة، فإنّ كل عناصر الفوضى والتفجير باتت مكتملة، وهي ان ظهرت الآن على شكل توترات متنقلة، فهي لن تتأخّر في ان تنفجر عنفاً اجتماعياً في الشارع.

   

الواضح انّ لبنان ينزلق بسرعة في اتجاه مرحلة أشدّ صعوبة وخطراً من تلك التي يعيشها الآن، وعلى الرغم من ذلك لا افق لاحتمال ولادة حكومة جديدة قادرة على الاقل لإحداث صدمة معنوية لا اكثر.

 

الخطوط الداخلية مقفلة بكاملها، القوى السياسية لا تتزحزح قيد أنملة عن مواقفها. وفي الواقع، خلفية هذه المطالب حسابات شخصية وذاتية ولا علاقة لها بالمصلحة العامة. ورغم اعتقاد مصادر اوروبية بأنّه لا يزال هنالك من امكانية لإنجاز تسوية معقولة، إلاّ أنّها ترى في الوقت نفسه، انّ الحظوظ ليست مرتفعة، وعندها فالكارثة واقعة لا محال. وهو ما يعني انّ بعض العواصم الغربية بدأت ترى أنّ الحلول في لبنان لم تعد ممكنة على البارد. ربما النار التي ستشتعل كفيلة بإنضاج التسويات، وهي ليست المرة الاولى، فهذا ما حصل اكثر من مرة في مراحل سابقة. وما يعزز هذا الاعتقاد انّ ثمة تطورات كبيرة بدأت تتكون على المستوى الاقليمي. فليس تفصيلاً أن يعلن الرئيس الايراني حسن روحاني أنّ نسبة التفاهم حول مفاوضات النووي الايراني وصلت الى 70%، وعلى ما يبدو فإنّ الاستهداف الاسرائيلي للتخريب على المفاوضات ادّى الى نتائج عكسية، أي الى تسريع التفاهمات.

 

وفي اسرائيل دعوات لمجموعات واسعة، الى تعديل موقف بلادهم، وتجاوز الخلاف الحاصل مع ادارة الرئيس جو بايدن حول النووي الايراني، وبالتالي العمل على تقبّل ما يحصل، تجنّباً لتوسع الخلاف مع الحليف الأكبر. ويُفهم من هذه الدعوات إقرار بأنّ لا رجوع عن الاتفاق الاميركي ـ الايراني، والذي خطا خطوات بعيدة.

 

وفي العراق، اول اجتماع ايراني ـ سعودي، وهو ما يؤشر الى التعاطي بمرونة مع التحولات الجارية. والاهم تلك المحاور الاقليمية التي بدأت تتشكّل على خلفية التحولات الجديدة الحاصلة، ذلك أنّ اسرائيل، التي شرعت في علاقات كاملة مع البحرين خصوصاً مع الامارات، وقّعت على اتفاقية دفاع ضخمة مع اليونان عنوانها الفعلي فرض حضورها على منطقة شرق البحر الابيض المتوسط حيث الغاز. هذه الاتفاقية التي تبلغ نحو مليار و650 مليون دولار، ستضع حاجزاً امام الطموح التركي الذي قلّص المسافة بين اسرائيل واليونان ومصر وقبرص والامارات واسرائيل وحتى فرنسا.

 

في اختصار، إعادة تشكيل المنطقة جارية على قدم وساق، فيما المسؤولون في لبنان يغرقون في حساباتهم الضيّقة ويدفعون البلد دفعاً الى عمق الهاوية. ربما هذه التحولات الاقليمية ستنعكس ايجاباً على لبنان عندما يحين اوانها. لكن قبل ذلك، يبدو انّ لا محال من الانزلاق اكثر فأكثر في المرحلة الأصعب والاخطر، والتي قد تكون ضرورية بالنسبة للبعض، لإنتاج الحلول اللبنانية ولكن على النار.

   

منذ يومين غادر لبنان احد اصدقائي الذي عاد اليه بعد غياب دام ثلاث سنوات، أصيب بالذهول وهو يرى ما حلّ بالبلد والى أي درك وصل اليه والى أي حد تغيّر.

 

رحل عن لبنان وهو مصدوم، لا بل مفجوع.