رغم قبح الموت إلاّ أنّ اختياراته جميلة ، فيعفُّ عن الجاهلين، ويأخذ بلحية أهل العلم، كأنّ الحياة في شرقنا مأوى للفاشلين . لذا تحار في سر الموت الذي يغتال الورد، ويترك الشوك ليجرّح به أعين الباصرين ... فيأخذ الأنبياء ، ويترك لنا شياطين تعبث بأوراق النبوات .

 

يتبادر اليك، وأنت تمشي مشايعاً في أيام عجوزة أن الشتاء النعش الذي يحمل ما يختاره الموت من ربيع أخضر على يباس السنيين المتروك لحكمة لا نعلمها نحن المشايعين للمبدعين المعدودين على أصابع اليد، ولكن يقودك يأس المعرفة الى طبيعة الموت الذي ينتمي الى كل قبيح .

 

أسرت صورة السيد مشهد الموت ، فجعلت منه الغائب، ومن محمّد حسن الأمين الأكثر حضوراً من بين الأحياء الذين يحرسهم الموت كي يبقوا مثالاً وعلى صورة من لا مساس له، فتندهش وأنت تساوق الأموات على جنبات الطريق، وهي مكترثة لوصول الحدث الى الجدث الأخير، كي ترمي بشرر من نار حمئة في عين آسنة .

 

 

إقرأ أيضا: شهادة طبية ب 100000

 

 

أكثر ما يميت الموت بقاء المبدع واستمراره في نصوصه التي عجز الموت عن إماتتها .لهذا ما تمكّن إلاّ من سلب الجسد فبدا لص أثواب لكتب مستحيلة عليه ، وتلك حقيقة الفرق والفارق مابين الحيّ والميّت .

لذا هزل الموت ساعة اعتراك، وهزئت به يوم كتبت أوّل قصائدك البكرعلى وزن نهري الفرات والليطاني حيث أحييت ما مات من شعر وثورة ،وجئت فلسطين على حصاني الحسين و المتنبي لتكسر سيفيّ الشمر وسيف الدولة، وتقرأ على الناس ما قرأ جدك من قبلُ سورة البراءة الى ماعاهدتم من المشركين .. فكل جاهل مشرك ،وكل قاتل مشرك ،وكل ذميم مشرك، وكل قبيح مشرك ،وكل خوّان مشرك ،وكل مكفر مشرك، وكل بذيء مشرك، فللصنم المُشْرك ُ بالله أولاد من صفات، ولهم أسماء وأعمال ، و أفعال .

 

يا قاتل العقل .. استهشّت بك جموع المشيعيين، وتوشّت بك أكفان الميتين ،واستدارت في كأسك المرّ حلاوة عقول رنّحها السكر، وعلى دندنة مزاهر المطر رقص قمر، وأردفت نجمة بثوبها الفضيّ ، وطناير هوى البركة القديمة حواصب مسكيّة العَرْف،وبساطاً لنعشك الأخضر. 

 

أشهد أنّ أكثر الجبال شموخاً تحملها الوديان المتواضعة، وأنّ أكثر الأعمال الخلاّقة الصارخة في الكتابة، وفي الطبيعة، كتبها كاتبون صامتون، وأشهد أنّ كل من شايع، بايع ،ولكنه ما اشترى،  وما باع،وأنّ كل حامل علم أنّك غير محمول، وأنّ كلّ من فتح القبر أسخنت عينه دمائع التراب.

 

أثن.. يا سليل الشمس فكيف تخبو ؟ ويا سليل الليل كيف الليل يتوفّى جنحه ؟ ويا سليل الطين  كيف تغورفي الغضراء ؟ وأنت نسيج وحدك ، وما أعوزك المثل، وقد أتتك الحكمة طوع رغبتها فصرفتها صرفاً ، وقد أسكرنا منها ما تبقى في كؤوس الرأس من سؤر، وما خمُر في دنان الحصرم من نبيذ الشعر .. يا سليل الحرف الحرون دثّر بُردة القصيدة، وارسل عليها من شواظه ما يغطي بعدك برْد الكلمات .