محمد علي شمس الدين
«إلى عبد القادر الحصني»

نَشَرَ النازلونَ على الريح أشلاءهم في العراءْ
نَشَروا سراويلهم
وسراويل أولادهم والنساءْ
أوقدوا نارهم من بقايا كراماتهم
ولم يستريحوا
فأعينهم شاخصات إلى حيث تعصف ريح الشمالْ
وليسوا بقايا من العابرين، هُم
ومن غَجَرٍ رحّلٍ
أو رجال ينامونَ عند طلوعِ النهارِ
فإنْ أقبلَ الليل قاموا إلى لهوهم والغناءْ
تغُصُّ الربابةُ إنْ ذكّرتهم حَلَبْ
أو ضواحي دمشقَ
وحمصَ
وما عمّر السابقونَ من الأرضِ
أو صَنَعوا من بيوتٍ
يشرشرُ منها دم خالصٌ
وتلجأ حتى الكلابُ إليها
ولا ملجأَ اليومَ مّما يراهُ الملوكُ
وما يرسمُ الأقوياءْ
أيُّها اللهُ
يا مالِكَ المُلْكِ
تعطيهِ من شئتَ
أو مَنْ تشاءْ
أعطِهِ مرّةً للضحايا
أعطِهِ مرّةً للذين بنوا عرش «زنّوبيا»
كي تنامَ على تخت «قيصر»
والرملُ يشهدُ كم دَفَنوا من عظامٍ
وكم أحرقوا على الصخر أنفاسهم في الهواءْ
أهِ لو نَطَقَتْ تلكُمُ الساكتاتُ الحجارةُ
أو أخرجت أرض «تدمرَ» ما يستريح بأحشائها
من قبورِ المساكينِ أو غيظهم
آهِ لو ينطق ذاكَ الجدارُ
القديمُ
الأصمُّ
الصَنَمْ
أهِ لو خَبَّرَ راعي الغَنَمْ
بصحراء «تدمُرَ» عمّن أتوهُ من الغيبِ
ثم استراحوا على جلد ماعزِهِ
قتلوا الشاةَ
ناموا وقاموا ولكنهم لم يُصلّوا
حفروا فوق سجّادة الخيمة البدويّة
أسماءهم بالسكاكينِ
أعرفهم واحداً واحداً
وأعرفُ من أيّ كهف الأساطير جاؤوا
وأعرف آباءهم
والمياه التي اخترقت جوف أصلابهم
أكادُ أُجَنُّ إذا ما تذكرتُ دِفْءَ البيوتِ
وكيف استحال الربيعُ شتاءً
وكيف اكتست حمصُ، يا ويلتي، بالدماءْ
وتصطكّ مثل عظام الذئابِ
مياهُ النواعيرِ
دوري فأنتِ التي تسمعين صراخَ المساكينِ في الليلِ
أنتِ التي تبصرينَ وأنتِ التي سوف تروينَ ما فعلوا
بالشيوخِ وما فعلوا بالصبايا
وأنتِ التي سوف تأتينَ في آخرِ الدهرِ
مثل سجلّ الخطايا
لكي تشهدي
فقد فَقَأ اللّهُ عين السماءْ
ولكنّه كي يعلّم أبناءه الشاردينَ أصول القتالِ
هداهُمْ إلى وجههم في المرايا
وماذا لو انَّ الذين استفاقوا على عريهم
حَنَثوا بالوصايا؟
لقد قُضيَ الأمرُ
وانكسرتْ جرّةُ المُتقينْ
اقتلوهُمْ كما تشتهونْ
اقتلوهُمْ ولا تدفُنوهُمْ
أقولُ اتركوهُم كما هُمْ على وجه هذا الترابْ
تحدّق أعينهم في السحابْ
خسرنا كثيراً من الوقتِ في لَغوِنا
ونحن نؤوّل هذا السرابْ
ولم نستفد من نبيّ
ولا من غرابْ
ولم نكسب الغيثَ
إنّ الحياةَ أهمُّ من الموت
يكفي تصادُمُ حرفينِ في كبرياءِ الغيومِ
ليندلعَ الرعدُ
أو ينتشي في الميازيبِ ماء القُرى
ويكفي لكي تستفيق النجومُ
قليل من الليل
صوتٌ يردّدُ «يا راحلين ارجعوا»
ويفتح جفن الكَرى
هل رأيتُمْ سنونوةً
تسيّجُ بالقشّ أفراخها؟
حماماً يطير على مهلِهِ
صبيّاً يغالب درّاجة في الطريقِ
وشيخاً عجوزاً يرحّب بالقادمينْ؟
هل رأيتُم بريق العيون التي تجعل القلب يرقص في الصدر كالبهلوانِ
ويزجُرُه العاشق المبتلى بالعيونْ؟
هل شممتُم روائح بُنّ الصباحِ
ولا أثر للدماءِ على قهوة الشامِ
لا صـــورة للســـيوفِ علـــى ســـطح فناجيـــنها؟
هل سمعتم صدى ثرثرات العصافير في غوطة الشامِ
والأرض جذلى بليمونها؟
ولكنّ شيئاً يغلّف هذا الصَمَمْ
رماداً كثيفاً تسدُّ به الكائناتُ مساماتها
فلا عمقَ للدمعِ
أو رجفة للألم
مضى وانتهى كلُّ شيءٍ إلى عكسه:
الرعُاةُ الطُغاةُ
الحماةُ الزُناةُ
الملوكُ البغاةُ
النساءُ البغايا
السُراة الخَدَمْ
فكيفَ أفسّر هذا العَدَمْ؟
وكيف أقول لأبنائنا القادمينَ الذي ينبغي أن يقالْ؟
يقولُ لكَ العارفون بأسرار هذي البلادِ:
قليلاً وينكشف الأمرُ
يمضي إلى حتفِهِ السيْلُ
والشمس تشرق في شهر آب على «قاسيونْ»
ولكنّهم سيّدي ميّتونْ
لقد قُتلوا، سيّدي، ها هنا
بلا سببٍ
سوى أنهم حالمونْ
لقد ذُبحوا مثلما يُذبحُ بالريش فرخُ اليمامْ
تعالوا انظروا قبرهم يملأ الرَحْبَ
أعلى من المجدِ
أعلى من الخيل والليل والسارياتِ العظامْ
وسيروا كما سارَ من ألفِ عامٍ حكيم قطعوا رأسه
خِلسة في الظلامْ
جدّكم في البلايا (عليه السلامْ)
...
...
إنّ صوتَ الرصاص عقيمٌ
وصوت المغنّي إذا قال: «يا ليلْ»
أجمل من طقطقاتِ العِظامْ
أكاد أغادر هذي المدينةَ
من كوّة حفرتْها ظنوني
طريداً
شريداً على الأرض
حيّاً وميتاً
فلا فرقَ بين الذي كانَ
أو ما يكونْ
ولا فرقَ بين الذي يدّعيه الغرابُ
وما يدّعيهِ المغنّي
بأنّ الذي يرثُ الأرضَ
أبناؤها الطيّبونْ