في أواخر نيسان 2020، أقرّت حكومة حسان دياب خطة الإنقاذ الاقتصادي التي أطلقت عليها تسمية خطة التعافي. وقد تعرّضت الخطة منذ اعلانها الى موجة من الانتقادات والمديح، بين قائل انّها تدمّر الاقتصاد بدلاً من معافاته، كما ورد في تسميتها، وقائل انّها واقعية وجريئة تحاكي الحقائق، وتسمح بالخروج من مرحلة الإنكار الى الإنقاذ.   اليوم، وبعد مرور سنة على إطلاق «خطة التعافي» التي ظلّت حبراً على ورق، وسقطت في مرحلة التفاوض الاولي مع صندوق النقد الدولي بسبب الخلافات على الأرقام، وانقسام الوفد اللبناني الرسمي على نفسه، لا بدّ من السؤال ماذا بقي من هذه الخطة؟ وهل لا تزال صالحة للتحديث والتطوير، في حال تشكّلت حكومة وقرّرت البدء في التفاوض مع صندوق النقد الدولي؟

 

لا شك في أنّ أرقام الخسائر التي جرى تقديرها في خطة التعافي (حوالى 68 مليار دولار)، والتي أثارت حفيظة لجنة المال النيابية، والقطاع المصرفي، وخبراء وباحثين متابعين عن كثب للوضع المالي والاقتصادي، أصبحت اليوم من الماضي، ولم تعد تكفي على الأرجح، رغم انّها كانت مُضخّمة، لتقدير الخسائر في أي خطة جديدة. ولا شك في أنّ ما اعتُبر فجوة مالية في مصرف لبنان جرى تقديرها في الخطة الحكومية في حينه بحوالى 44 مليار دولار، نمت خلال عام بنسبة مرتفعة قد تصل حالياً الى 60 مليار دولار. وحتى الخسائر في القطاع المصرفي، والتي حصل خلاف حولها بين المستشارين في الحكومة، ولجنة المال والموازنة النيابية، أصبحت بدورها من الماضي، لأنّ حجم الخسائر في المصارف ارتفع بنسب كبيرة. صحيح، انّه لا توجد احصاءات دقيقة عن الخسائر التي يمكن أن تكون لحقت بالقطاع منذ سنة حتى اليوم، لكن الإنكماش في الاقتصاد، وتراجع ايرادات كل القطاعات، ومعظمها قطاعات لديها قروض مع المصارف، بالإضافة الى الخسائر المعلنة التي بدأت المصارف نفسها تفصح عنها كنتائج العام 2020، ومن ضمنها خسائر اليوروبوند الذي هبطت اسعاره بنسبة لا تقلّ عن 85%، كلها حقائق تؤكّد انّ الرقم ليس بسيطاً، وسيغيّر معادلة أي خطة جديدة للإنقاذ.

 

لكن، وبصرف النظر عن الأرقام التي تفرض تغييراً شاملاً في الخطة القائمة، ومع مراجعة التفاصيل الاصلاحية في الخطة، سيتبيّن انّها أصبحت ايضاً من الماضي. والمفارقة هنا، ورغم انّ البلد وصل الى المرحلة التي وصل اليها حالياً، لا تزال هناك شكوك في أن تتمكّن السلطة، أي سلطة، من فرض اصلاحات وردت في «خطة التعافي». على سبيل المثال، ما ورد في اصلاح القطاع العام لجهة تقليص عدد المتعاقدين 5% لمدة 5 سنوات، أو تجميد الرواتب لـ5 سنوات، أو تجميد عديد القوات المسلحة وحصر الترقيات بشغور المواقع، ومراجعة التقديمات لكبار العسكريين، بالإضافة الى تصحيح التدبير رقم 3 المتعلق في احتساب نظام التقاعد للعسكريين، بالاضافة الى توحيد أنظمة التقاعد كافة.

 

هذه النماذج من الإجراءات الواردة في خطة التعافي، هل لا يزال تطبيقها ممكناً؟ وكيف يمكن الاعتقاد انّ التطبيق مُتاح، اذا كان وزير المالية غازي وزني انتقى بعض الاجراءات الاصلاحية وحاول تمريرها في مشروع موازنة العام 2021، وكانت النتيجة انّه اضطر الى التراجع عنها قبل ان تصل الموازنة الى طاولة مجلس الوزراء؟

 

كذلك يمكن طرح تساؤلات في شأن مصادر تحسين الإيرادات التي كانت ستعتمدها الحكومة في خطة التعافي، ومنها على سبيل المثال، رفع الرسوم على الفوائد من 10 الى 20% على الودائع التي تتجاوز المليون دولار...

 

من خلال مراجعة خطة نيسان 2020 يتبيّن بما لا يقبل الجدل، وبعد مرور سنة كاملة، انّ كل بنودها سقط بتأثير عامل الزمن، الذي نقل الاقتصاد والوضع المالي من مكان الى مكان آخر مختلف تماماً، وصار لزاماً على اي حكومة ان تبدأ خطة الإنقاذ والتفاوض مع صندوق النقد، من خطة جديدة لا علاقة لها بخطة التعافي.

 

هذا الواقع هو الذي يدفع حاكم مصرف لبنان حالياً، مدعوماً بقرار المجلس المركزي لمصرف لبنان، الى رفض المس بالاحتياطي الالزامي الذي وصل الى 15 مليار دولار، لأنّ الإنفاق من هذا الاحتياطي سيجعل أي خطة انقاذ، قاسية وطويلة جداً، وستصبح مسؤولية البنك المركزي مؤكّدة، وغير قابلة للخضوع لظروف تخفيفية.

 

لكن السؤال، كيف ستتعاطى السلطة السياسية الراغبة في الاستمرار في الإنفاق المُريح كما هو قائم، ولا تريد التوقّف عند خطوط حمر مثل الاحتياطي الالزامي، أو احتياطي الذهب، مع هذا الموقف؟ واذا كان قرار سلامة ثابتاً في رفض التوقيع على الإنفاق من الاحتياطي الالزامي، هل سيكون ذلك بمثابة اشارة الى احتمال إقالته من قِبل السلطة السياسية؟

 

قد تتجاوز السلطة القائمة كل المحاذير، وقد تجتمع حكومة تصريف الاعمال، التي ترفض الاجتماع حالياً حرصاً على عدم خرق الدستور وتجاوز مفهوم تصريف الاعمال، وتُقيل رياض سلامة، ليتسنّى لها الاستمرار في الإنفاق، بصرف النظر عمّا سيحصل نتيجة لذلك بعد سنة أو سنتين.