ملفّان حساسان يتسابقان على تصدّر الواجهة اللبنانية: الملف الحكومي الذي يحظى باهتمام داخلي وخارجي وبإحاطة دولية متقدمة تخطّت الديبلوماسية الى حدّ التهديد المباشر. وملف التدقيق الجنائي الذي يسابق رئيس الجمهورية ميشال عون الوقت لإنجازه خلال ما تبقى من ولايته بخوض «معركة مصيرية» قد تكون الاخيرة لإثبات براءة عهده من تهمة التسبب بالانهيار، وتقديم الادلة التي تدين الفاسدين الحقيقيين.

في الملف الاول برزت تهديدات فرنسية مباشرة لمن سمّتهم المعرقلين لتأليف حكومة الإنقاذ اللبنانية، من دون ان تسميهم، متوعدة بأنّ الخطوة المقبلة ستكون مصيرية بالنسبة الى لبنان.

 

وفي السياق يترقب المعنيون نوعية الخطوة الفرنسية بحذر شديد، فيما تلفت مصادر خبيرة في الشؤون الدولية الى انّ العقوبات الفرنسية ستكون مختلفة عن الاميركية فيما لو كانت قوية بفعاليتها، لأنّ الدولة الفرنسية مرتبطة بدول الاتحاد الاوروبي المنقسم اساسا. كما انّ دول الاتحاد ليس لديها قوانين فساد خاصة بها لكي تستند إليها لاتخاذ اجراءات في حق شخصيات دولية سياسية او اجتماعية، أي ليس لدى فرنسا او لدول الاتحاد قوانين مماثلة لقانوني «ماغنسكي» و»قيصر» الاميركيين لكي تفرض عقوبات متعلقة بالفساد على الشخصيات الدولية المتهمة بالتورط فيه. وترى المصادر أنّ التهديدات الاوروبية ستبقى مجرد تهديدات معنوية لممارسة الضغوط على المعرقلين، فأوروبا قارة كبيرة ولا يمكن نسيان تناقضاتها والخلافات بين دولها، او تجاهل انفصال بريطانيا مثلاً عن الاتحاد الاوروبي، كما انّ دستور الاتحاد ليس مجهزا ليكون القوة الدولية على الارض التي تصدر العقوبات، على عكس دستور الولايات المتحدة الاميركية التي لديها القدرة على احتواء اي تصرف او خرق سياسي في الكرة الارضية، فواشنطن تستطيع اتخاذ المواقف وتدعمها ببنود قانونية منبثقة من دستورها، بمعنى ان قانوني ماغنكسكي وقيصر هما قانونان اميركيان وليسا قانونين للامم المتحدة.

 

الانذار وارد

اما في الملف الثاني، اي التدقيق الجنائي، فترفع بعبدا سقفه معلنة انها معركة مصيرية بالنسبة اليها… ويؤكد رئيس الجمهورية ان معركته المستمرة ضد الفساد بإعطاء ملف التدقيق الجنائي الأولوية لكشف الفاسدين الحقيقيين.

 

ورداً على تساؤلات غالبية اللبنانيين حول خطوة بعبدا المقبلة حول هذا الملف، وخصوصا بعدما رفع عون سقف المعركة، قالت مصادر بعبدا لـ»الجمهورية»: «انها تنتظر جواب رئيس الحكومة عما اذا كان سيعقد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء ام لا وسنبني على الشيء مقتضاه «…

   

اما بالنسبة الى الخطوة المتقدمة في هذا الاطار والتي طرحها بعض الوزراء، اي توجيه انذار خطي الى حاكمية مصرف لبنان بوجوب التقيد الفوري تحت طائلة المساءلة، فقد كشفت مصادر بعبدا لـ»لجمهورية» أن هذه الخطوة واردة.

 

وكان الموقف اللافت في هذا الاطار لوزيرة العدل في حكومة تصريف الاعمال ماري كلود نجم، التي استبقت الاجتماع الثلاثي لحاكم مصرف لبنان ووزير المال وممثلي شركة «الفاريس اند مارسال» وغرّدت معتبرة «ان التدقيق الجنائي قرار وليس توصية». وذكّرت بأنها قالت منذ تشرين أن العقد لا يحتاج الى تعديل القانون، وطالبت بأن تجتمع الحكومة المستقيلة وتأمر حاكمية مصرف لبنان بالتنفيذ الفوري تحت طائلة المساءلة، أو ان يوجّه رئيسا الجمهورية والحكومة انذاراً خطياً الى الحاكمية بالمعنى نفسه. وختمت تغريدتها بالقول «ان الاوان لم يفت بعد».

 

وفي الاطار نفسه، سأل رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع «لماذا لا يقدم فخامة رئيس الجمهورية من خلال حكومة تصريف الاعمال الحالية التي تضمه مع حلفائه فقط لا غير، على اتخاذ الاجراءات الادارية والجزائية المطلوبة في حال كان جدياً في ما يطرحه؟».

 

في المحصّلة تهديد داخلي ووعيد خارجي وسباق وتسابق على توجيه الإنذارات المتبادلة، فيما يدفع الشعب اللبناني الثمن. فهل تشهد الايام المقبلة تصعيداً وانذاراً عمليّاً من العهد لحاكمية مصرف لبنان قبل فوات الأوان أم ستسبق التهديدات الفرنسية المنظومة بكاملها؟