أولاً: الطُّرفة الصينية والهرّ الأسود الضائع...

تقول الطرفة الصينية: لن تجد هرّاً أسود في غرفة مظلمة، خاصةً أنّه ليس بداخلها، يُذكر أنّ هذه الطرفة أو النّكتة أو الحكمة عُرفت عند أهل الصين، ووجه العبرة والفائدة فيها، أنّه عندما يتبادل إلى الذهن بأنّك لن تستطيع أن تجد هرّاً أسود في غرفة مظلمة، فهذا يعود إلى تلازم لون الهرّ الأسود مع ظلام الغرفة، ليتبيّن بعد ذلك أنّ الحُجّة القاطعة المانعة للعثور على الهرّ، هي عدم وجوده أصلاً في الغرفة، لأنّه بعد الإنارة والإستيضاح لن تجد في الغرفة هرّاً أسودَ أو أبيض، فقد غادرها في غفلةٍ عن المتربصين.

 

إقرأ أيضا: ما الذي يسعُ مساحيق الرئيس الفرنسي أن تفعلهُ في وجه السلطة الشنيع؟

 

 

 

ثانياً: الجنرال عون والتدقيق الجنائي...

وأخيراً اهتدى الرئيس ميشال عون للوصفة السحرية لعلاج الإنهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي القائم في البلاد منذ أكثر من سنتين، إنّه التدقيق الجنائي، وراحت الجوقة العونية تُبشّر بقرب خلاص اللبنانيين عبر اعتماد هذا العلاج الشافي الواقي، حتى ذهب بعضهم للكتابة على جدران بعض شوارع الأشرفية في العاصمة بيروت: التدقيق الجنائي راجع، للتّذكير بالتعويذة التي سادت في سنين نفي الجنرال عون، والتّيه الذي أصابهم: عون راجع. هكذا إذن، في حين تُجمع أمم الأرض كافةً، بما فيهم عددٌ لا يُستهانُ به من أقطاب السلطة السياسية الفاسدة، بأنّ المخرج المُتاح أمام اللبنانيين الصابرين الغافلين هو تأليف حكومة إنقاذية، تعتمد الإصلاحات الضرورية والعاجلة، تمهيداً للحصول على المعونات الدولية، علّها تُفلح في معالجة الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية والمعيشية والحياتية التي تعانيها البلاد هذه الأيام، يقفز المسؤول الأول المؤتمن على الدستور وانتظام قيام المؤسسات الدستورية والإدارية والقضائية، إلى تعطيل تأليف حكومة جديدة، ولا يكتفي بذلك بل يخرج بالأمس على المواطنين برسالة "مُشفّرة" في كافة الاتجاهات، إلاّ أنّها جاءت وللأسف الشديد خاوية فارغة، لا قيمة لها في المبنى والمعنى، عنوانها: هلمّوا إلى التدقيق الجنائي، سرابٌ جديد يريد الرئيس عون أن يأخذ اللبنانيين إليه، بعد وعده الأخير بنيران جهنم، والأدهى من كلّ ذلك، أنّه عاد ليُذكّرهم بماضيه الدموي المأساوي، الماضي الذي كانوا يعتقدون أنّه بات وراء ظهورهم، فإذ به يقول بملء فمه: أنا كما تعرفوني ميشال عون، وذلك تأسّياً بسلفه الحجاج بن يوسف الثقفي عندما خاطب أهل الكوفة بقوله:

أنا ابنُ جلّا وطلّاعُ الثنايا

متى أضعُ العمامة تعرفوني.

 

المصاب الجلل أنّنا نعرفك جيداً فخامة الرئيس، ويعرف اللبنانيون جيّداً أنّهم وفي عهدك "الميمون"، لن يدركوا خلاصاً ولا أماناً، ولا حكومة إنقاذية، ولا استعادة أموالٍ منهوبة، ولا تدقيق جنائي، ولا تشكيلات قضائية حتى، أمّا الهرّ الضائع فقد غادر الغرفة قبل أن يُمسك به حرّاسُ القصر الجمهوري المشغولين بالهدم والتّعطيل.