لم يعد مستغرباً ان يشير أي مسؤول دولي الى عجز القيادات اللبنانية عن معالجة مجموعة الأزمات المتشابكة. فالمجتمع الدولي بات على تماس يومي مع كثير من الحقائق الغافلة على اللبنانيين. فالحملة الديبلوماسية التي قادها او استدرج إليها اصدقاء لبنان نَضحت بكثير من الاقتراحات التي يستحيل ترجمتها لتكون الحل المنشود. وهو ما ادى الى ربط البعض منها بالأول من نيسان وما يعنيه. وهذه عيّنة منها؟

يشكّل يوم الاول من نيسان بالنسبة الى بعض الدول مناسبة ليتبادل مواطنوها والمقيمون فيها الاخبار الكاذبة والمستغربة، وربما غير الواقعية التي يسمح بالتداول بها في هذا اليوم من دون ارتكاب اي ذنب يستحق العقاب. امّا في لبنان فالأمر مسموح ومتداول به طوال الايام الـ364 يوماً الاخرى من دون ان يشكل ذلك اي حرج او قلق. فالتجارب اللبنانية اظهرت بما لا يرقى اليه اي شك انّ مثل هذه الامور واردة في اي لحظة مع تَباهي البعض بقدرتهم على تسويق مثل هذه الاخبار والسيناريوهات أياً كانت النتائج المترتبة عليها ايجابا او سلبا.

 

وانطلاقاً مما تقدم، تحرص المراجع السياسية والديبلوماسية على تجنب التوقف عند هذه الظاهرة في اعتبارها من يوميات اللبنانيين اينما وجدوا في المواقع الرسمية وغير الرسمية، الى ان باتت من الثوابت التي تحكم الحياة السياسية في لبنان. فقد اعتادوا تنظيم المقالب والافخاخ بكثير من الحنكة التي يمكن ان تؤسّس لمسار يقود كثيراً من الملفات والقضايا الى النتيجة التي يريدها الاقوى والأكثر إقناعاً، ولو بنيت منطلقاتها على معطيات غير حقيقية وفي ظروف مؤاتية. ولم يسمحوا بالعودة اليها في بعض الحالات وان تكشفت حقائقها متأخرة.

   

وعندما طرحت هذه المعادلات في لقاء جمع أخيرا عددا من الديبلوماسيين المهتمين بالقضايا اللبنانية الطارئة، تفتّحت الانظار الى ما جرى في لقاءاتهم مع بعض المسؤولين في الفترة الاخيرة، والتي جمعتهم بالخصوم السياسيين المنخرطين في الجبهات المتقابلة في اطار المساعي المبذولة لتشكيل الحكومة الجديدة وتحديداً عند مقاربتهم العوائق التي حالت دون تشكيلها مع ما رافقها من تسريبات متناقضة الى حد بعيد في جوانب مختلفة قادت تلقائياً الى ما آلت اليه الامور من تعقيدات لم يعد من السهل تصحيحها واستحالة تجاوزها.

 

وقد استند المجتمعون في قراءتهم السلبية للتطورات الى الواقع الجديد الذي بات قائما وان لم يكن متوقعا. فقد تجاوزت لغة التخاطب بين المعسكرين كل الاصول. وهو ما يؤدي الى الفراق الحتمي بين اقطابهما، وخصوصا بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري. وهو ما طرح عددا من الاسئلة التي تتناول مستقبل الحياة السياسية في لبنان، والعلاقة التي يجب ان تنتظم مجددا بين المؤسسات الدستورية، واستحالة التوصّل الى ما يجمعهما مجددا لقيادة المرحلة المقبلة بما تحفل به من استحقاقات كبرى، ان انجزت مهمة التأليف وتم وضع حد لنهاية مرحلة تصريف الاعمال وما يعوق اتخاذ القرارات الكبرى في المواجهة المفتوحة مع مجموعة الازمات الخطيرة التي يعانيها اللبنانيون.

 

وإن دخل هؤلاء في التفاصيل لا يمكنهم ان يتجاوزوا رزمة الاتهامات المتبادلة بين عون والحريري ووصولهما الى مرحلة تبادل الطلبات بالتنحّي الفوري عن عملية تأليف الحكومة لمن يستطيع القيام بها، مقابل الدعوة الى الإنتخابات الرئاسية المبكرة ان كان الرئيس عاجزاً عن القيام بمهماته. كان ذلك قبل ان يلتقيا مجدداً في اللقاءين الأخيرين وانطلاق الحركة الديبلوماسية التي استدعي اليها عدد من السفراء المؤثرين او اولئك الذين اطلقوا محركاتهم بمبادرة شخصية لإطلاع دولهم على المستجدات التي كانت مادة للبحث في عدد من الاتصالات واللقاءات الثنائية. ولعل ابرزها ما شهده اللقاء الاوروبي ـ الاميركي الذي دعا اليه وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان الاثنين الماضي، والذي انتهى عملياً بتوجيه لودريان الانذار الاخير للمسؤولين اللبنانيين بضرورة تغيير اسلوب العمل في مواجهة الاستحقاقات الحالية والنتائج المترتبة على فقدان كثير من المؤسسات القدرة على توفير خدماتها الحيوية للمواطنين.

 

وانطلاقاً ممّا سبق، فقد شكلت الإتصالات التي اجراها لودريان قبل يومين بكل من رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة الرسالة الاقوى والاكثر حزماً، ليس من اجل حَضّهم على التعاون لإنجاز الاستحقاق الحكومي، بل للوصول الى مرحلة التهديد بتحميل المتخاذلين مسؤولية عدم الوصول الى هذه المرحلة المطلوبة بإلحاح شديد. فهو لامس من خلالها دقة المرحلة التي بلغتها الازمة اللبنانية وما يمكن ان يقود اليه العجز عن تأليف الحكومة وتنامي الازمات المختلفة.

   

إلا ان ما يثير القلق، يتمحور حول احتمال ان تلقى تحذيرات لودريان مصير ما سبقها من تنبيهات لم تردع اي من المسؤولين، ولم تغير من أداء اي منهم. والأخطر من ذلك ان بقوا متجاهلين ما يمكن ان تقود اليه العقوبات الاوروبية او الاميركية الجديدة، فقد سبق لهم ان ردوا على السابقة منها بما يقلل من اهميتها ويتجاهل نتائجها بدليل الاصرار على ان يلعب المعاقبون منهم ادوارهم الطبيعية في طليعة المتعاطين بالملفات الداخلية. وهو ما فتح شهية البعض الى عدم التعبير عن اي قلق يمكن ان تقود اليه العقوبات المقبلة ان شملت آخرين في اي موقع كانوا.

 

وعليه، فإن بقي أداء المسؤولين على ما هو عليه، فإنّ كثيرا مما هو متوقع لن يكون طبيعا، فكل ما تشهده البلاد من تجاذبات وعمليات صد ومواجهة تنذر بأوضاع غير سليمة بطريقة قد تؤدي الى استحالة الوصول الى مرحلة الإنقاذ والتعافي. وهو ما سيؤدي الى فشل كل ما هو مطروح من مبادرات داخلية وخارجية، وسيترجم بانزلاق الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية الى ما هو اخطر بكثير مما بلغته، كذلك يهدد بتبخّر احتياطات المصرف المركزي من العملات الصعبة الى درجة يستحيل بعدها توقع اي قيامة منتظرة، خصوصاً اذا توقف المعنيون امام شهادة مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادني ديفيد شينكر الاخيرة في المسؤولين اللبنانيين، عندما قال عن تَمايزهم بـ»عدم الإحساس بالمسؤولية لدى الشريحة الكبرى من الطبقة السياسية وفشل مساعي تشكيل حكومة تقوم بالإصلاحات المطلوبة لإنقاذ لبنان من الانهيار».

 

وفي انتظار تلك اللحظة التي يحلم بها كثر، فإن محاولات تحسين صورة هذا او ذاك من الشخصيات وما لحق بها من تهشيم لن تجدي نفعاً، وقد يكون «الاول من نيسان» وما يعنيه بالنسبة الى اكثرية اللبنانيين مناسبة لتوزيع الشهادات الدولية والمحلية في سلوكهم وأدائهم والى أجل غير محدد.