شهد العام 2020 طفرة عقارية، كنتيجة مباشرة لأزمة القطاع المصرفي واحتجاز الودائع المصرفية بالدولار، أسفرت هروباً جماعياً للودائع من القطاع المصرفي الى القطاع العقاري، وأدّى في النتيجة الى عملية تصحيحية صبّت في مصلحة 3 أطراف معنيّة هي المصارف، المودعون والمطورون العقاريون.

سعى المودع الخائف على مصير وديعته، للحفاظ على الحدّ الأدنى من قيمة مدّخراته من خلال الاستثمار في القطاع العقاري، فلجأ مودعون الى سحب ودائعهم من القطاع المصرفي، من خلال وسيلة الدفع الوحيدة المتاحة، وهي تحرير شيكات مصرفية لمصلحة المطورين العقاريين، ما أدّى الى ارتفاع كبير وغير مسبوق في عمليات البيع والشراء العقارية التي وصلت إلى 82 ألف عملية، ساهمت في زيادة قيمة المبيعات العقارية بنسبة 110 في المئة مقارنة بالعام 2019، لتصل قيمتها الإجمالية إلى 14.4 مليار دولار في 2020، وفقاً لاحصاءات مديرية الشؤون العقارية.

 

نتيجة عملية نزوح الودائع، نجح المطورون العقاريون من خلال عمليات البيع العقارية عبر الشيكات المصرفية، في تسديد كامل مستحقاتهم للمصارف والتخلّص من عبء الفوائد المرتفعة المترتّبة على قروضهم السابقة.

   

واستفادت المصارف بدورها من عملية نزوح الودائع لناحية تراجع حجم الودائع بالدولار دفترياً بحوالى 14,4 مليار دولار، وانخفاض حجم القروض المصرفية الممنوحة للمطورين العقاريين، والتي كانت ستصنّف ضمن القروض المتعثرة، نتيجة الجمود العقاري الذي ساد في الفترة الاخيرة، قبل اندلاع الأزمة المالية والنقدية، ودفع عدد كبير من المطورين الى التعثر وإعادة جدولة ديونهم.

 

أما في العام 2021، وبعدما انتفت حاجة المطورين العقاريين لتسديد قروضهم المصرفية والقبول بإتمام عمليات بيع عقارية مقابل شيكات مصرفية، أصبح الاستثمار في القطاع العقاري يخضع لشروط الدفع الرائجة حالياً في السوق، والتي تعتمد على وسيلة دفع واحدة هي السيولة النقدية بالدولار.

 

ورغم انّ الجزء الآخر من المودعين، الذي لم يكن على يقين في بداية الطفرة العقارية بأنّ ودائعه قد تبخّرت بالفعل، ما زال يسعى اليوم للاستثمار في القطاع العقاري، من خلال الشيكات المصرفية، إلّا انّ هذا الامر لم يعد متاحاً، بدليل تراجع حجم المعاملات العقارية خلال الفترة الأخيرة، وعودة حالة الجمود الى القطاع العقاري، بالإضافة الى تراجع مساحات البناء المرخّصة بنسبة 86 في المئة في 2020، مما يعكس توقعات مستوى العرض في القطاع العقاري في العام 2021.

 

السؤال المطروح اليوم: هل هناك من هو مستعدّ اليوم لاستثمار دولاراته النقدية في القطاع العقاري؟ وإذا كانت اسعار العقارات قد شهدت قفزة بنسبة 30 الى 50 في المئة نتيجة عمليات البيع عبر الشيكات المصرفية، هل ستعاود الانخفاض في حال كان الدفع نقداً وبالدولار الاميركي؟

 

في هذا الاطار، أوضح الخبير في الشؤون العقارية رجا مكارم، انّ الطفرة العقارية التي شهدها القطاع في العام 2020 قد انتفت، رغم انّ الحركة لم تنعدم بل تراجعت، موضحاً لـ» الجمهورية»، انّ الدافع وراء عمليات البيع والشراء العقارية تحوّل من «هروب من الودائع المصرفية» في 2020 الى «اصطياد الفرص» في 2021، وذلك بعدما أصبحت طريقة الدفع عبر الشيكات المصرفية غير مقبولة بنسبة 100 في المئة لدى غالبية المطورين العقاريين او أصحاب الشقق والعقارات.

   

وقال مكارم، انّ معظم العمليات العقارية تمّت في 2020 «ولكن لا يزال هناك اليوم طلب على العقارات من قِبل أفراد لم يستشعروا في السابق خطورة الوضع، وقرّروا اليوم الهروب من القطاع المصرفي الى القطاع العقاري»، لافتاً الى استمرار بعض اصحاب العقارات، وليس المطورون العقاريون، في قبول الشيكات المصرفية، كوسيلة لدفع 50 في المئة كحدّ اقصى من قيمة العقار، بالاضافة الى 50 في المئة نقداً بالدولار.

 

وكشف عن «صَيحة» جديدة تسود السوق العقاري اليوم، تتمثل بالانتقال من الشقق الى الـ cash money، اي عبر قيام الأفراد الذين سبق ان قاموا بشراء العقارات في السابق مقابل شيك مصرفي، ببيعها اليوم مقابل سيولة نقدية بالدولار او مقابل 50 في المئة شيك مصرفي و50 في المئة دولار نقدي، وذلك بهدف تقليص الخسائر التي مُنيت بها ودائعهم والبالغة حوالى 60 الى 70 في المئة، في حال تمّت مقايضتها مباشرة عبر شيك مصرفي مقابل fresh dollar .

 

وشرح مكارم على سبيل المثال، انّ قيمة الشيكات المصرفية توازي اليوم 30 في المئة من قيمتها الفعلية بالدولار النقدي، في حين انّ الشقق التي تمّ شراؤها عبر الشيكات المصرفية يُعاد بيعها مقابل دولار نقدي بأقلّ من 50 في المئة من قيمتها.

 

ولفت الى انّ غالبية العمليات العقارية التي حصلت في العام 2020 ناتجة من بيع وشراء الاراضي، مؤكّداً انّه لا يزال هناك عروضات كثيرة لبيع أراضٍ تقدّر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، يمكن شراؤها عبر الشيكات المصرفية، لأنّ أصحابها بحاجة إما الى السيولة النقدية (عبر اعادة بيع الشيكات) او الى الخروج من شراكات معيّنة، او الى الانتقال جغرافياً.

 

واكّد ردّا على سؤال، انّ عمليات البيع العقارية التي تتمّ اليوم مقابل السيولة النقدية بالدولار، تختلف اسعارها بشكل كبير عن الاسعار المحدّدة للدفع عبر الشيكات المصرفية، حيث يتمّ احتساب كلّ دولار نقدي بـ4 لولار (دولار دفتري).

 

وحول مستقبل اسعار العقارات، اعتبر مكارم انّ هناك سيناريوهين للمرحلة القادمة، مرتبطان بالعنصر السياسي والمالي والنقدي، ينصّ السيناريو الاول على امكانية تراجع الاسعار في حال أقبل جزء من الذين عمدوا الى استبدال ودائعهم المصرفية الى عقارات، بإعادة عرضها دفعة واحدة للبيع مقابل سيولة نقدية، مما قد يرفع العرض ويؤدي الى خفض الاسعار.

   

اما السيناريو الثاني، فهو برأي مكارم، ارتفاع الاسعار بسبب ارتفاع الطلب من قِبل المقيمين وغير المقيمين، والذين يعتبرون انهيار سعر الصرف وأزمة الدولار، فرصة يجب اصطيادها للاستثمار في القطاع العقاري، قبل عودة الوضع المالي والنقدي الى سابق عهده، وبالتالي عودة اسعار العقارات الى طبيعتها.