بعد إنتشار آفة الفساد التي لم يعد يجدي معها مرهم أو دواء ، وبعدما أصبحت السرقة بنظرالبعض شطارة وللمزور منزلة وجدارة ، فيستحق عليها الترقية والترفيع ، واللسان يلهج  له بالإعتذار والتبجيل ، وعندما لم تعد الأخلاق تلجم الفاسدين ولا الخوف من قانون محاسبة يردع المرتكبين ، وبعدما إنتقل الفساد من النفوس  إلى تبديل القواعد والنصوص ، فهنا ألا يصبح السؤال مشروعاً إلى أي درك نحن واصلون ؟

بتاريخ 13/3/2013 ، نشرت جريدة الجمهورية مقالاً صحفياً عن شبكة من المزورين تنشط في سفارة لبنان في المانيا تقوم بالتحريف والتزوير في المستندات لإصدار قرارات قنصلية وغيرها ، وتكذب على المغتربين من لبنانيين وغيرهم لإستدراجهم وإيهامهم بأن معاملاتهم القنصلية لا تدخل ضمن صلاحية السفارة لتأخذ منهم  لقاء إنجازها مبالغ مالية كبيرة .

فهل ما زالت هذه الشبكة فاعلة إلى اليوم  ، وهل تم إيقافها ومحاسبتها ، أم ما زالت تمارس عملها ؟

هذا ما سيكشفه هذا التحقيق الإستقصائي الذي سينشر تباعاً وعلى أجزاء متتالية :      

-الجزء الأول  : أسماء المتورطين والإجراءات التي إتخذتها سفارة لبنان ووزارة الخارجية والمغتربين .

 - الجزء الثاني : طريقة عمل هذه الشبكة وإنجاز المعاملات .

 - الجزء الثالث : نماذج عن بعض الملفات والقرارات التي تم تحريفها .

 فالشبكة التي تضم في أعضائها محام مقيم في لبنان يدعى : ( ميشال فؤاد مطر ) وموظفان يعملان في القسم القنصلي في السفارة اللبنانية في برلين هما ( جورج ياغي ) وزوجته ( جورجيت صباغ ) فالزوج ومهنته الأصلية في لبنان كانت بائع بيض متجول في قرى البقاع، والزوجة التي تحمل شهادة مدرسية بالأشغال اليدوية هما بمثابة الذراع لهذه الشبكة التي ما زالت تحظى بالرعاية والتغطية إلى الأن . 

    ويعود عمل هؤلاء إلى سنين خلت وتحديداً في مدينة  بون العاصمة السابقة لألمانيا ، حيث كان مقر بعثة لبنان الدبلوماسية قبل إنتقالها في عام 2000 إلى العاصمة الحالية برلين ، واستمروا بالعمل لحين اكتشافهم في أواخر عام 2009، بعدما تقدم عدد من المغتربين بشكاوى خطية وشفهية إلى السفارة عن هذه الشبكة وعن المبالغ المالية الطائلة التي طلبتها ودفعت له ، وعن اسم الموظف الذي يرأسها في المانيا .

  وعلى إثرهذه الشكوى شكل سفير لبنان السابق في المانيا ( رامز دمشقية ) لجنة تحقيق إستمعت إلى الشكاوى   ودونت إفادات الشهود وأوصت بتوقيف الموظف المسؤول وصرفه من العمل فورا ً، ثم أرسل التحقيق والإفادات  مرفقة بكتاب يفند فيه المخالفات والتجاوزات المرتكبة إلى وزارة الخارجية والمغتربين التي أودعتها جانبا ً. 

وخلال زيارة وزيرالخارجية  والمغتربين السابق السفير(عدنان منصور) إلى المانيا عرج على السفارة  بتاريخ 6/7/2012 ، وأثناء إجتماعه بالموظفين أثيرهذا الملف بعدما شرح له بعض الموظفين طريقة عمل هذه الشبكة والأعمال التي اقترفوها وأن تهمة الفساد والرشوة عمت جميع الموظفين فالسفارة وبسببهما فقدت مصداقيتها أمام المغتربين . فرد الوزير قائلاً بأنه عندما سيعود إلى بيروت سيقوم بفتح الملف ، فقال له السفير أن الملف بتفاصيله  موجود في الوزارة .

  لكن بشائرالفرح التي لاحت بددها خبر مكذوب تم نشره في إحدى المجلات اللبنانية الصادرة في برلين وفيه: أن السفير دمشقية متعسف ومنحاز في تعاطيه العام ، فأرسلت الوزارة وعلى وجه السرعة مدير الشوؤن الإدارية  والمالية  أنذاك (شوقي أبو نصار)  (حاليأ سفير لبنان في روسيا ) لإجراء تحقيق إداري في الإدعاءات التي وجهت إلى السفير، فأتت نتيجة التحقيق لتؤكد أن السفير يمارس مهماته كرئيس للبعثة بشكل مهني ويحرص   على تطبيق القوانين والتعليمات الإدارية والمالية بشكل دقيق.

 

   وبعد إنتهاء مهمة السفير ( رامز دمشقية ) وتعيين السفير الحالي (مصطفى أديب) وبرغبة منه أرسلت وزارة الخارجية بتاريخ 14 / 9 /2013 ، السفير (ميشال الحداد) إلى برلين لإجراء تحقيق، فأجرى تحقيقاً إقتصر فيه على الإستماع لبعض الموظفين والإطلاع على الملفات والتحقيقات وأقوال الشهود ، وأنهاه باستدعاء الموظف جورج ياغي وأخبره بأن لديه إثباتات كثيرة تدينه (وقال له بأنه للملمة هذا الموضوع  وإغلاق هذا الملف عليه  تقديم استقالته فوراً من وظيفته)، فعاند ورفض الاستجابة له، فوعد السفير حداد بأنه سيكتب  تقريراً يتضمن كل الوقائع والأدلة وسيرفعه إلى الجهات المعنية المهتمة .

  لكن كلام نهار برلين محاه ليل بيروت ، فكتب تقريراً إنقلبت فيه أدلة الإثبات التي تدين الضالعين إلى معلومات لم يتم إثباتها.

 

   وبعد مضي أكثر من شهرين على التحقيق ( وسنوات على الفضيحة ) أصدر الوزير ( عدنان منصور ) بتاريخ    20 /11/2013 ، تعميما ً إلى البعثات اللبنانية كافة يحمل رقم 98/ و .  بحصرالقرار القنصلي ( وهو ما كان تستغله   هذه الشبكة أيما إستغلال ) بالأخطاء المادية الحاصلة في البعثات .ونصه: بعد ورود العديد من القرارات القنصلية إلى هذه الوزارة ، تبين أن بعض البعثات وسعت إطار هذه     القرارات ، لذلك يطلب إليكم حصر إصدار القرارات القنصلية  بالأخطاء المادية الحاصلة في البعثة وتوجيه أصحاب العلاقة لمراجعة القضاء المختص في لبنان في المواضيع الأخرى.    

 

  ليتبع ذلك :

    ـ قرار القاضي ( فوزي خميس ) المدعي العام لدى ديوان المحاسبة بتاريخ 18/ 2 /2014  جاء فيه:"إن ما نسب إلى السيد جورج ياغي بقي مجرداً من الإثبات اليقين وأقتصرعلى مجرد إدلاءات ومعلومات متداولة في الصحف وافادات لبعض المواطنين والموظفين لم يتم التثبت من صحتها ليبنى على الشئ مقتضاه وحيث أعتبر ان التحقيقات المجراة من قبل السفير ميشال الحداد لم تثبت إرتكاب للمخالفات المنسوبة اليه .

 ـ موافقة وزارة الخارجية والمغتربين بتاريخ 17/8/2016 على القرار المرسل من قبل سفير لبنان الحالي في ألمانيا ( مصطفى أديب ) بترقية الموظفة ( جورجيت صباغ ) من مدخلة معلومات إلى محررة .

     ـ  مطالبة سفارة لبنان مديرية الشؤون الإدارية والمالية في وزارة الخارجية والمغتربين بسبعة كتب منذ عام 2013- ولغاية 2020 اخرها كان منذ عدة أسابيع بإلغاء قرارالحسم الصادر بحق الموظف (جورج ياغي )  ومنحه درجة تدرج وصرف راتب شهرين (3330 يوروعن عام 2012) بعدما إمتنع حينها عن التوقيع على جدول الرواتب الشهري).

  - إستجابة مديرية الشؤون الإدارية والمالية على تعديل بعض القرارات الصادرة بحق المدعو ( جورج ياغي ) ومنحه درجة تدرج .فأضحى المرتكب ضحية ، والشاهد كاذب ، والأدلة واهية . أسئلة برسم الإجابة    

      - لماذا لم تتحرك الوزارة سريعاً لإتخاذ الإجراءات ؟

           - لماذا تمت الموافقة على الترقية ومنح درجة  تدرج  ؟

  - أين هي الملفات والتحقيقات ومحاضرالإثبات وإفادات الشهود التي أجرتها السفارة وأرسلتها إلى وزارة الخارجية والمغتربين؟                                                                                                             

      - ألم يكن في الملفات ما يشير إلى تواطئ بعض رؤساء الدوائر في لبنان وتقصير من الدبلوماسين في السفارة ؟

        - هل تم إطلاع القاضي فوزي خميس على كافة الملفات ؟ وهل صحيح بأنه قال بأن كل ما وجده في الملف المرفوع إليه هي ثمانية أوراق فقط ؟

     - الا يحمل تعميم الوزير في ثناياه إثبات المخالفات المرتكبة ؟ 

  - أين التحقيق المالي ؟ فكيف لموظفان لا يتجاوز راتبهما بضعة الاف أن يعيشا وأولادهما حياة بذخ ورفاهية ؟

  ـ ما صحة ما يحكى عن إمتلاكهما عدة عقارات وحسابات بنكية في لبنان ، وهما المتحدران من عائلة غير معروفة بالغنى، فينتفي عامل الميراث؟