«البحتري ذنوب الوجه نعرفه

فهل رأيت ذنوب الوجه ذي أدب

عبد يغير على الموتى فيسلبهم

حر الكلام بجيش غير ذي لجب»

إبن الرومي

ليس هناك أسهل ولا أكثر دناوة من التهجّم على من هم غير قادرين على الردّ أو الدفاع عن أنفسهم. يزداد الأمر شناعة عندما يكون من يتمّ الهجوم عليه في دنيا الحق، فيسهل على الباطل أن يصول ويجول ويقول على طريقة «وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزال». هذا هو واقع الأمر في رمي كل آثام التعطيل والتخريب الذي طال لبنان، قبل وبعد الطائف، على السياسات الخاطئة لرفيق الحريري. شعارات تُرمى لتسهّل الأمر وتبسّط الإجابة وتزيد على الشعبوية القابضة على العقول ضلالة إضافية.

 

لم يأتِ رفيق الحريري إلى أرض اللبن والعسل، عندما شرع بمسعاه لوقف الحرب التي دمّرت لبنان، وشارك في حفلة جنونها معظم من يرمون تهمة السياسات الخاطئة على الحريري. فالبلد كان يسير في طريق الزوال، بعد أن أصبح منسياً ومتروكاً لمصيره القاتم بدوامة الموت والدمار. ويوم كان القادة الميامين في ساحة الوغى يعطون شهادات الموت لضحاياهم، كان الحريري يمنح الفرص لشهادات جامعية لضحايا مرجّحة تمّ إنقاذها. كان الفعل يومها يشبه مؤامرة مدروسة على أمراء الحرب. فمن جهة تسحب شباباً من ساحة الوغى إلى ساحة المعرفة، ومن جهة تقلّل من عدد أتباع الأمراء الجاهزين للتضحية، من أجل أن يرفع أمير ما شارة النصر، أو أن يخفق علم أصفر أو أخضر أو أحمر أو أسود على تلة جرداء أو حي مدمّر بالكامل أو ركام بناء سقط فوق سكانه.

   

لهذا كان مشروع رفيق الحريري موضع الإتهام قبل أن يأتي اتفاق الطائف فيضع حداً، ولو مؤقتاً، لمشاريع أمراء الحرب. الأميران اللذان رفضا الطائف يومها، هما من يقودان اليوم حملة التضليل على السياسات الحريرية، لتغطية جريمة التخريب المقصود على مشروع إنقاذ لبنان. للتذكير فقط، عشية وصول رفيق الحريري إلى الحكم، كان الركام يملأ شوارع المدن، والطرقات حفرتها القذائف، والمدارس والجامعات والمستشفيات والمطار والاتصالات والكهرباء كلها في خبر كان. كان الجميع واقفين عن عجز عن القيام بأي عمل نافع لتغيير المعادلة، وكان أمراء الحرب ينتظرون عودة الفرصة لهم من جديد.

 

لم يكن عيباً أن يتلقف رفيق الحريري فرصة السلام المحتمل بعد مؤتمر مدريد، ليبني مشروعاً قائماً على هذا الاحتمال، فلا مشاريع عادة تقوم على ترجيح الحرب. لكن العيب، لا بل الجريمة السافلة، تكمن في اصطناع حرب لتخريب مشروع يقوم على احتمال السلام. عندما قام رفيق الحريري بنسج «مؤامرة» نشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان في بداية عهد الرئيس الهراوي، شكاه قائد الجيش الميمون يومها لحافظ الأسد، فتمّ تخريب المشروع. لقد كان ذاك المسعى يهدف إلى تأمين فرص تطبيق القرار 425، وبالتالي انسحاب الجيش الاسرائيلي من الجنوب. لكن هذا لو حصل يومها، كان سيعني سحب ذرائع الوجود السوري، وبالتالي تطبيق اتفاق الطائف الذي نصّ على إعادة التموضع على طريق الانسحاب. بالطبع، فقد وضعت تلك المساعي رفيق الحريري تحت المجهر، وأظن أنّه بدأ يومها خطواته الأولى نحو الرابع عشر من شباط سنة 2005. لكن سرعان ما أكمل التطرّف في إسرائيل مسعى إمراء الحرب، فاغتيل اسحق رابين ومعه اتفاقا أوسلو ومدريد، وعادت احتمالات الحرب لتطغى على مشاريع احتمالات السلام. ومن يومها بدأ التخريب المقصود على سياسات رفيق الحريري. فقد بدأت حملات التشكيك والتخوين، ووصلت الأمور إلى دفعه إلى الاعتذار عن تأليف الحكومة في بداية عهد رئيس الجمهورية، قائد الجيش ذاته الذي اعتبر نشر الجيش في الجنوب مؤامرة!

 

لكن فشل منظومة التعطيل بتأمين ولو حدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي، وتدهور الاستثمارات المحتملة، بالرغم من مسرحية أكل السندويشات في مجلس الوزراء، أجبر السلطة على الرضوخ بالعودة إلى مشروع رفيق الحريري ذاته، وهو المتهم أساساً بالتسبب بالأزمة. كان مشروع «باريس 2» يحمل الكثير من الاحتمالات للنجاح في إعادة رسم مسار الاقتصاد، وبالتالي تفعيل خصخصة بعض القطاعات لضمان فعاليتها ونجاحها، بالتالي التخفيف من عبء القطاع العام على المالية من جهة، وجعله في موضع التنافس لتحسين الخدمات. لكن عصابة التعطيل المقصود دخلت على الخط من جديد، لحصر فائدة المشروع بالمساعدات من دون الإصلاحات.

   

بالنهاية لم ييأس رفيق الحريري ولم يهرب إلى سفارة ما، ولا اختفى تحت سابع أرض بدهليز لا يعرف مدخله ولا مخرجه. بقي يحاول بالرغم من الصعوبات والمخاطر، لمجرد أنّ هناك بصيص أمل واحداً، فالانسحاب أو اللجوء إلى سفارة، أو حتى الاختباء، كان سيحوّل الأمل الضئيل إلى صفر. في يوم من أيام سنة 2004، اجتمعنا معه في المساء، وقلت له لمَِ لا يستقيل من حكومة يتحمّل هو وزر فشلها، مع أنّه لا يملك القرار الحاسم فيها، غير طبعاً الاستقالة أو الاعتكاف. فقال، لقد راكمنا بعض النجاحات ولدينا فرصة مع رئيس جديد آتٍ قريباً، لن أنسحب لأتركهم يدمّرون ما راكمناه. بالطبع، فالجواب على هذا الكلام كان انفجار الرابع عشر من شباط.

 

اليوم نحن أمام رئيس، أو ولي عهد، على شاكلة جنرال سابق حكم لبنان، يريد دفع سعد الحريري للاعتذار أو القبول بحكومة يتحمّل هو وزر فشلها حتى وإن لم يكن هو قد ألّفها، ومع ذلك فهو يتعلق ببصيص أمل، لكن إلى متى؟

كلام نصر الله ومن قبله باسيل، يعطي الانطباع بأنّهما يحملان مشروعاً حكومياً متكاملاً، لكن السؤال هو، لمَِ لم يُنجزا هذا المشروع التكاملي بينهما في حكومة حسان دياب؟ فما على مفتي قصر بعبدا اليوم، إلّا أن يبحث في كتاب التنجيم عن مخرج دستوري لتعويم حكومة راحلة. يعني، تسليم من خرّب سياسات الحريري الحكم، للقضاء على آخر نفس في البلد!