في أواخر شهر شباط الماضي، اطلق البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي مبادرته الى عقد مؤتمر دولي من اجل لبنان، وكانت ردود الفعل على ذلك  طبيعية، وتوزعت بين مؤيد وبين متحفظ ومعارض، وقد تقاطعت الدعوة مع معانات لبنانية متعددة العناوين والمضامين، من ابرزها تعثر تشكيل حكومة مهمة انقاذية. 

لقد تمكّن البطريرك بشارة الراعي أن يتقدّم الصفوف المسيحية والوطنية بفعل مبادرته، وأن ينزع صفة التمثيل لمسيحيي لبنان من كلّ الاحزاب والتيارات والشخصيات .
طروحات البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بالحياد واضحة جداً ولا تحتاج لا إلى تفسير ولا إلى تأويل هدفها حماية لبنان، فالبطريرك لا يُخوَّن ولا يحتاج إلى شهادة وطنية من أحد، بل هو يحمل همّ كل الشعب اللبناني ويريد إنقاذه.

يمكن تلخيص كلام بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للموارنة الذي قيل في حضور مسيحيين وشيعة وسنّة ودروز، حيث عبر البطريرك الماروني في كلمته التي ألقاها، في حضور عشرات الآلاف من اللبنانيين الذين تجمعوا في ساحة المقرّ البطريركي في بكركي، أن على لبنان الاختيار بين ثقافة الحياة وثقافة الموت تلك هي معركة لبنان الذي يدفع ثمن خروجه عن الحياد وتحوّله منذ ما يزيد على نصف قرن إلى ساحة للآخرين.   

 


مبادرة البطريرك تهدف بالاساس لمواجهة مشروع تغيير طبيعة لبنان وموقعه العربي والإقليمي وتغيير طبيعة مجتمعه المنفتح. 

 


لم تنفع المبادرة الفرنسية في تغيير الواقع السياسي المشدود باتجاه واحد، ما جعل لبنان ينحدر بسرعة نحو جهنم التفكك والفوضى، وباتت الأسئلة تطرح بإلحاح عن مسؤولية المتحكمين بمفاصل القرار في تفكيك الدولة ووضع اليد عليها، بما ينقض كل المواثيق التي قام عليها الكيان اللبناني منذ نشأته قبل مئة عام.

 

 

لا تُفهم حركة الكنيسة المارونية الراهنة خارج إطار الحركة العامة التي تشهدها الأوساط اللبنانية، بما فيها الطوائف المتعددة المسيحية والاسلامية، في سبيل الحفاظ على روحية الكيان التوافقي، المنصوص على انتظامها في الدستور والميثاق الوطني.

 


وفي خطاب النقاط العشر الذي ألقاه رأس هذه الكنيسة الراسخة في تأسيس لبنان المعاصر، لم ترد إشارة واحدة إلى مطلب طائفي أو فئوي. كان خطاباً موجهاً إلى اللبنانيين كافة، من أجل منع الانقلاب على الدولة والتمسك بها راعيةً ومعبرة عن مصالح الجميع. وفي السياق يتساوى المسيحي اللبناني والمسلم اللبناني في تحمل مسؤولية استعادة تلك الدولة بمؤسساتها الدستورية الشرعية، لتنتهج مجدداً سياسة حياد تعبر عن توافق اللبنانيين بمختلف طوائفهم، وتُخرج البلاد من مأزق الالتحاق بالمحاور المدمرة.


كانت كلمة البطريرك، بغض النظر عمّا إذا كانت بالتنسيق مع الفاتيكان أم لا، كلمة في غاية الأهمّية. تعبّر الكلمة عن وجود عصب لبناني يرفض الهيمنة والغلبة والاقصاء والاستقواء.

 

إقرأ أيضا : الدولار يتصدر مشهد مسار الانهيار

 

 

 

الأهمّ من ذلك كلّه أن الراعي قال كلاما كبيرا، إن في شأن الحياد النشط للبنان أو في شأن المؤتمر الدولي الواجب انعقاده برعاية الأمم المتحدة من أجل إنقاذ البلد وتمكينه من استعادة سيادته والدفاع عن مصالحه. يدرك البطريرك الماروني أنّ ثمة حاجة إلى صيغة لإنقاذ لبنان 


من هذا المنطلق، اعتبر البطريرك الماروني أننا نواجه محاولة انقلابية على كل ‏ميادين الحياة العامة على المجتمع وعلى ما يمثّل وطننا من خصوصية حضارية، وعلى وثيقة الوفاق ‏الوطني التي أقرت في اتفاق الطائف. لذلك طالبنا بمؤتمر دولي كي يجدد دعم النظام الديمقراطي، ‏وإعلان حياد لبنان فلا يعود ضحية الصراعات والحروب وأرض الانقسامات بل يـتأسس على قوة التوازن ‏لا على موازين القوى التي تنذر بالحروب”. ‏ 

 


في الواقع، كانت كلمة البطريرك بمثابة خريطة طريق للخروج من الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان. دقّ ناقوس الخطر. لكنّ السؤال الذي سيطرح نفسه عاجلا أم آجلا ،انه لابد من عمل شيء من أجل إخراج لبنان من حال الانهيار.

 

 

لقد كان البطريرك واضحا كلّ الوضوح عندما أكّد أنّه ما كان ليذهب إلى الدعوة إلى مؤتمر دولي لولا استطاع الزعماء اللبنانيون إيجاد تسوية داخلية. كلّ ما في الأمر أنّه وضع اللبنانيين أمام مسؤولياتهم لا أكثر ولا أقلّ. 

 

وقد حاول البعض شيطنة أيّ مشروع يتناقض مع مقارباته، من خلال رؤيته لمطلب الحياد الذي يحمله البطريرك الماروني. وهذا الاستهداف للطرح البطريركي هو اعتراف ضمنيّ من قبلهم بأهميّته وبقابليّته للتحوّل إلى مشروع سياسيّ ووطنيّ مقابل للمشروع الاخر، ولذلك اتت صرخة البطريرك لتملئ الفراغ .