الإنجاز الأول:

 

رجع البابا الحامل لرسالة إبراهيم   محبا لورثة آل  إبراهيم "ع"  ومؤمنا بهم

 

 

 كنت قد ذكرت في المقال السابق - وأنا على يقين - أنّ المسيح عليه السلام  تجلى في بيت المرجعية و ظهر على شخص المرجع باخلاقه العلوية، وكنت متوقعاً أن لايختلف هذا اللقاء في ثماره عن اللقاءات التي نقلها التاريخ بين المسيحية والمحمدية، حيث كان القسيسون والرهبان من النصارى والذين هم أقرب مودة يتأثرون روحيا ومعنوياً، وفي بعض المواقف تفيض أعينهم من الدمع خشوعاً لما يشاهدونه من اخلاق وعلم عند محمد وآل محمد، وقد وصف الله تعالى هذا في محكم كتابه: 


{ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}، وكان توقعي في محله، إذ ظهر أنّ الحبر الأعظم للمسيحيين من مصاديق الآيتين الكريمتين، وكان من الشاهدين أمام الله عزّ وجلّ، فلم يتكبر ولم يتعالَ على ما رأى من آيات الله عزّ وجلّ 


خُلقا وهديا وسمتاَ  وشبها بالأنبياء "ع " عندما التقى أحد ورثة الأنبياء "ع"، وفي الحديث ((العلماء ورثة الأنبياء))، و ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) ، ولم يكن في صدره حرج أن يعبر عما خالج قلبه من حب واحترام وتقدير، فكانت شهادته : 


 "إلتقيت برجل من رجال الله حكيم عظيم مؤدب متواضع، ولقد تأثرت به روحياً وأفاض علي نوراً ". 


 إنّ هذه المشاعر الكريمة والنبيلة والصادقة التي أظهرها بعيداً عن قيود الفاتيكان و برتوكولات الإنجيلية اليهودية، هي  شهادة منه بعقله الإنجيلي وبدون شعوره القرآني، أنّ من التقى به يمثل خط النبوة، وهو وريث " آل إبراهيم " وعالم من علماء آل محمد عليهم السلام؛ لأنّ هذه الكمالات الأخلاقية والفضائل النبيلة لا تجتمع بحسب ما في القرآن والإنجيل إلا في نبي أو وصي، أو من ورث علمهما وقام مقامهما وجسد أخلاقهما، وكما مرّ  
 (( العلماء ورثة الأنبياء)) . 

 

 وبناءّ عليه نؤكد هذه الحقيقة (رجع محبا لورثة آل إبراهيم) من خلال مجموعة من الشواهد:  

 

 

أولاً: ذكر أنّه رأى رجلاً عظيما حكيماً من رجال الله ، والقرآن الكريم وصف محمداً "ص" وآله بالحكمة والعظمة في قوله تعالى: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}، والعالم الربانّي هو مرآة تعكس فضائل واخلاق آل إبراهيم "ع"، وقد جاء في الحديث: (( إنّ آل إبراهيم هم آل محمد)) "ص"
وقد فُسر معنى الحكيم في الإنجيل أنّه : " الرجل الحكيم هو المملوء فضيلة ومعرفة وعقلية " ( العهد الجديد، الرسالة الأولى إلى كورنثوس: ٣، ١-٣). 

 

ثانياً:إنّه رجل من رجال الله ، فهو من مصاديق، قوله تعالى: { رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}.
وجاء في الكتاب المقدس: " أنّ رجل الله هو الرجل المقدس المليء بكلمة الله".
 ويطلق على النبي اليشع. ( العهد القديم، سفر الملوك الثاني، ٥ : ١٥)

 

ثالثاً: إنّه أفاض عليّ (على البابا) إفاضات روحية ونورانية، { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ...}، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.  


والمعنى في الإنجيل، أنّ المسيح عليه السلام قال: " أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة.. بل يكون له نور الحياة ". إنجيل يوحنا

 

رابعاً: إنّه كان في غاية التواضع وكان حليما : { إن إبراهيم لأواه حليم }، {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}


جاء في الإنجيل : "تعالوا إلي ياجميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم احملوا نيري عليكم وتعلموا مني؛ لأني وديع ومتواضع فتجدون راحة لنفوسكم؛ لأنّ نيري هين  وحملي خفيف..." إنجيل متى11  29-28"

 

خامساً: قال البابا شعرت بالفخر بزيارة السيد السيستاني، وهذا يكشف عن المودة التي يكنها بعض رهبان النصارى، وقد أظهر البابا ما كان يفعله أسلافه من القسيسين والرهبان عندما كانوا يلتقون بآل إبراهيم، محمد وآل محمد، فمنهم من يكتم الحق تقية، ومنهم من يصرح عما في قلبه دون أن تأخذه العزة والكبر. 

 

اللقاءات التاريخية بين المسيحية والمحمدية

إنّ اللقاءات التاريخية التي ترشح منها النور والإيمان نوضحها في بعض مشاهدها:     
 
المشهد الأول: موقف ورقة بن نوفل المسيحي، وذلك عندما سمع من السيدة الصديقة خديجة "عليها السلام" آيات من القرآنَ الكريم الذي نزل على النبي صلى الله عليه وآله، فقد عرضت عليه آيات من كتاب الله رغبة  في إسلامه، وعند سماعه تلك الآيات القرآنية فاضت عيناه بالدمع وأمن وكتم. 

المشهد الثاني : موقف النجاشي ملك الحبشة، وذلك عندما وقف مع مهاجري الحبشة في واقعة کاد فيها عمرو بن العاص جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه وأصحابه بشتى أنواع الكيد والحيل، ولكن الله سبحانه ألهم جعفراً كلاماً بيّن حقيقة الإسلام وعيسى ومريم عليهما السلام، فرد الله به كيد عمرو بن العاص وأسرَّ به قلب النجاشي، وفاضت عيناه بالدمع لمّاسمع كلام جعفرٍ، وقال: " إنَّه كلامٌ عظيمٌ حكيمٌ يُنعشَ الروحَ، وإنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما"، وطرد عمراً وبقية وفد قريش.


وقد أكرم رسول الله "ص" وفد النجاشي وخدمهم بنفسه، وكان هذا الوفد أربعة عشر قسيسا ولم يسمح "ص" لأصحابه بذلك ، قائلا "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإنِّي أحب أن أكافئهم".

 

 بقلم العلامة الشيخ أسد محمد قصير