عشية زيارة وفد «حزب الله» الى موسكو تنامت السيناريوهات التي قالت بتجميد الوساطات المطروحة لتجاوز الأزمة وتشكيل الحكومة العتيدة. ففي الوقت الذي لم تكشف اي جهة عن مبادرتها كاملة، ولم يلتق اطراف النزاع على قراءة موحّدة لها، قفز الدور الروسي الى الواجهة. وهو ما دفع الى انتظار ما سيسفر عنه لقاء موسكو. وعليه، ما الذي يمكن أن يُقال عنه وفيه؟!

قبل ان تدير روسيا محرّكاتها في لبنان والمنطقة، عقب الجولة الخليجية لوزير خارجيتها سيرغي لافروف ولقائه مع الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري في ابو ظبي، كان مبعوث الرئيس الروسي الى الشرق الأوسط وشمال افريقيا ميخائيل بوغدانوف قد اجرى اكثر من جولة من الإتصالات مع القيادات اللبنانية، والتقى اكثر من موفد لبناني، وهو ما أعطى زيارة وفد من «حزب الله» لموسكو اكثر من معنى وتفسير، دفع الى ضرورة انتظار ما يمكن ان تنتهي اليه.

 

على هذه القاعدة، تعتقد مصادر ديبلوماسية، انّ من الصعب التكهن بما ستؤول اليه زيارة الوفد لأكثر من سبب، تندرج معظمها تحت عنوان التنسيق القائم بين موسكو والحزب على اكثر من مستوى. ولعلّ الشق الذي يعني لبنان وشؤونه الداخلية، قد يكون في آخر سلّم اولويات هذه العلاقة. وهو امر لا يحتاج الى كثير لتبريره او تفسيره، فتاريخ العلاقة بينهما منذ اندلاع الأزمة السورية قبل عشرة اعوام بالتمام الكمال (16 آذار 2011 اول مواجهة بين النظام والمتظاهرين في ساحة درعا)، يشي بكثير مما يمكن اعتبار الشأن اللبناني جزءاً من شكل ومضمون العلاقات بينهما، والتي تتناول الوضع في لبنان والمنطقة.

   

وإن تمّ شبك هذه العلاقة بين موسكو و»حزب الله» مع ما يتصل بالدور الإيراني في المنطقة، تتوسع برامج التعاون بينهما تلقائياً، الى ما يجري في سوريا والعراق وصولاً الى اليمن والاراضي الفلسطينية، التي تشكّل مساحة للنزاع الذي انخرطت فيه طهران خارج حدودها الجغرافية. ولذلك، من الطبيعي انتظار مزيد من الوقت لفهم حجم ما ستتناوله محادثات وفد الحزب في موسكو في ما خصّ الشأن اللبناني، وهو ما لفت اليه رئيس الوفد رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد في حديث له عشية الزيارة. إذ انّه قلّل من اهمية الجانب اللبناني في جدول المحادثات، عندما تحدث عن «نقاط الإهتمام المشترك والمصالح المشتركة والنظرة الواحدة أو المتقاربة جداً نحو الأوضاع في المنطقة وضرورة إستقرارها، لكي تستثمر الشعوب خيرات الدول التي تقيم فيها أو تنتمي إليها». وهو بذلك وضع حداً فاصلاً بين ما يمكن ان تتناوله الزيارة وملف تشكيل الحكومة اللبنانية، ملمّحاً الى انّ النقاش سيتناول «آفاق المرحلة المقبلة وما تحقق من إنجازات لمصلحة شعوب المنطقة في المرحلة الماضية». وهو امر يتجاوز الساحة اللبنانية وهمومها الداخلية.

 

ليس شيئاً جديداً في ما سبق بالنسبة الى البعض، الذي يعتقد انّ اي بحث في موسكو مع وفد «حزب الله» في ما خصّ المنطقة لا يقف عند اجراء محادثات مع وفد نيابي. فمن يهتمون بالتعاون العسكري والامني في الحزب مع روسيا، في ما خصّ الساحة السورية او غيرها لا يعرفهم معظم اللبنانيين. فهم بالتأكيد من القادة العسكريين، يتولون هذه المهمة على خلفية وجود قيادة «جهادية» لا تتحدث في الشؤون السياسية، كتلك التي يتولاها الوفد النيابي الموجود في موسكو منذ يومين.

 

وعلى هذه القاعدة، وإن صدقت هذه المعادلة، تعود المراجعة حول هذه الزيارة الى النقطة الصفر. لكن ذلك لا يحول دون ان يكون المستجد على الساحة اللبنانية مدار اهتمام في لقاءات الوفد. ففي ظل فقدان البرنامج النهائي للزيارة واقتصارها على المحادثات الديبلوماسية والسياسية التي سيجريها الوفد في وزارة الخارجية وتحديداً مع بوغدانوف، فهي تحتمل ان تتوسع لتشمل المسؤولين الكبار في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما، وهو مكان يمكن ان تُناقش فيه الملفات الداخلية اللبنانية.

 

وعليه، واياً كانت المحادثات مع اعضاء الوفد، فإنّ العودة الى ما عبّرت عنه الخارجية الروسية من اهتمام بالشأن الداخلي اللبناني، توحي أنّ موسكو ليست بعيدة عمّا تضمنته «المبادرة الفرنسية». ففي البيان الأخير الذي صدر عنها عقب اللقاء بين لافروف والرئيس سعد الحريري «استعار» تعابير من المبادرة الفرنسية عندما تحدث عن «حكومة مهمّة»، قبل ان يدعو الى التفاف اللبنانيين حولها لتجاوز المرحلة الصعبة. كما لحظ ضرورة إتمام المهمة التي كلّف المجلس النيابي الحريري بها، في إشارة غير مباشرة الى «الاستشارات النيابية الملزمة» التي اجراها رئيس الجمهورية وادّت الى تكليف الحريري ولو لم يكن راضياً بنتائجها التي فُرضت عليه دستورياً على الرغم من إقتناعه الذي عبّر عنه قبل إجراء هذه الاستشارات بيوم واحد، محذّراً من منحاها الذي سيؤدي الى تكليف الحريري.

   

وبناءً على ما تقدّم، فإنّ هناك من يعتقد انّ الرهان على دور روسي اكبر يفتح الطريق الى تشكيل الحكومة ليس في محله على الاقل وفق المعطيات المتوافرة الى اليوم. وان ادّت الزيارة الى إسقاط المخاوف من صعوبة ان تطلق محادثات موسكو عملية التأليف المنتظرة للحكومة ستكون هناك مفاجأة كبرى لا يمكن التنكّر لها او التقليل من شأنها قبل انتهاء الزيارة.

 

ولذلك كله، لا يجب نسيان او تجاهل انّ في الكواليس السياسية والديبلوماسية الروسية محادثات جادّة مع باريس وطهران وعواصم الخليج العربي، في انتظار ما هو منتظر منها مع واشنطن في وقت قريب. وهي ـ ومهما قيل عن الفصل بين ما يجري في المنطقة ولبنان- فالملف اللبناني حاضر في كل ما يتناوله الحديث عن الملف النووي الإيراني والعلاقات بين ايران والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، طالما انّه يبحث تحت عنوان سبل التعاطي مع الأذرع الإيرانية في العالم، وخصوصاً في الشرق الأوسط والخليج العربي.

 

وبناءً على ما تقدّم، لا يبدو من السهل تقييم ما يمكن ان تؤدي اليه الجهود الروسية، فما تبلّغه لبنان يشي باهتمام موسكو الجدّي، بما يؤدي الى انقاذ لبنان، وانّها لن توفّر جهداً يُبذل على اكثر من مستوى، فهي تفكر بعقد المؤتمر الدولي الثاني للنازحين السوريين في لبنان بعد المؤتمر الاول في دمشق، وان لم تسع الى اعادة تكوين السلطة في سوريا لن يكون لأي من خياراتها على الساحة اللبنانية اي اهمية، لإقتناعها انّ الازمات التي يعيشها البلدان، ولا سيما منها الاقتصادية والنقدية منها، مترابطة الى حدٍ بعيد، وهي تعرف انّ الحل يمكن ان ينعكس عليهما معاً. ولذلك ستبذل مزيداً من الجهود الإيجابية، وهو ما ستثبت صحته الايام القليلة المقبلة من عدمه.