عندما طالب غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في شهر تموز الماضي بحياد لبنان، ثم ألحق مطالبته هذه بعد فترة قصيرة بمذكرة بعنوان «لبنان والحياد الناشط» يشرح فيها ماهية الحياد في نظره، وتلا ذلك لقاء في بكركي منذ أسابيع قليلة، ألقى فيه غبطته خطاباً بالوفود المجتمعة في باحة الصرح، مجدداً مطالبته بما سمّاه «الحياد الناشط» وبتدخّل الأمم المتحدة للمساعدة في إيجاد حل يُخرج لبنان من الوضع الحالي، علت أصوات مؤيّدة لهذا الموقف، وأصوات معارضة بشدّة له، وصلت الى اتهام غبطته بالخيانة، ولكنها سرعان ما توقفت وسُحبت من التداول، إنما البلد ما زال منقسماً بين فريق يؤيّد المبادرة البطريركية ويطالب بتطبيقها، وفريق يعارضها وينتقدها باستمرار.

في الوقت الذي كانت مبادرة البطريرك الراعي ترمي الى تحييد لبنان عن الخلافات العربية، فسّر رافضو مبدأ الحياد بأنّ المطلوب هو إخراج لبنان من الصراع العربي ـ الإسرائيلي والتوقف عن تأييد حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ومنهم من ذهب إلى اعتبار هذه المبادرة البطريركية خطوة أولى نحو التطبيع مع إسرائيل.

 

جدير بالإشارة هنا، الى أنّ المطالبة بالحياد ليست جديدة في لبنان. فمنذ سنوات والدكتور فيليب سالم، سواء في كتبه أو مقالاته أو محاضراته، يطالب بما يسمّيه «الحياد الفاعل»، بمعنى أن يكون لبنان، من منطلق حياده عن الخلافات العربية ـ العربية، «فاعلاً وملتزماً في الدفاع عن قضايا السلام والإستقرار في المنطقة»، وأن يكون أيضاً مدافعاً عن «...القضية الفلسطينية وعن قضايا العرب». وينبغي، في نظر الدكتور سالم، أن لا يدخل لبنان في أحلاف سياسية أو عسكرية، وأن يبقى دائماً ملتزماً «القضايا العربية والمحقة». واضح إذاً، أنّ الحياد ليس ابتعاداً عن القضية الفلسطينية بل إنّه يقضي بالدفاع عنها بالتزام تام.

   

والمهم في مقاربة الدكتور سالم لموضوع الحياد قوله في وضوح تام: «نحن لا نريد أن يكون طرح البطريرك لمبدأ الحوار طرحاً مسيحياً. نريده طرحاً وطنياً».

 

من هذا المنطلق، قد يكون من المفيد عقد اجتماع في الصرح البطريركي في بكركي، يرعاه البطريرك الراعي ويشارك فيه مفكرون وسياسيون ودستوريون من مؤيّدي الحياد ومعارضيه، لتبادل الأفكار حول هذا الموضوع المهم، وتحديد المقصود من فكرة الحياد ومضمونها بالتفصيل الكامل، بحيث تتوضح هذه المسألة من دون لبس وبعيداً كل البعد عن أي اعتبار ديني أو طائفي، ووفقاً للمفهوم الذي شرحه الدكتور سالم في مناسبات عدة، وكذلك تحديد دور المجتمع الدولي من هذا الموضوع. إذ أنّ غبطة البطريرك والدكتور سالم يعتبران أنّ الحياد لا يمكن أن يتحقق إذا لم يتوافر له ضمان دولي، ومن أجل توافر هذا الضمان، يجب العودة الى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

 

وإذا كان هنالك من ضرورة للذهاب الى مجلس الأمن والحصول على ضمان دولي لهذا الحياد، فلا بدّ من معرفة موقف الولايات المتحدة من هذا الطرح، إذ أنّ واشنطن لها كلمة وازنة جداً في هذا المحفل الدولي.

 

عندما طالب البطريرك الراعي بتطبيق مبدأ الحياد في لبنان في تموز من العام الماضي، ومن ثم أطلق مذكرة «لبنان والحياد الناشط»، كان الرئيس دونالد ترامب آنذاك منشغلاً بحملته الإنتخابية، ولم يكن يعير اهتماماً لأي أمر لا يفيده انتخابياً، إذ كانت جهوده منصّبة كلياً على السعي لتأمين إعادة انتخابه. هذا بالإضافة إلى أنّ لبنان لم يكن من ضمن اهتماماته، على رغم من كون كل من وزير الدفاع (مارك أسبر) ووزير الصحة (اليكس عازار) ومديرة الإتصالات في البيت الأبيض (أليسا فرح) من أصول لبنانية.

 

أما الرئيس جو بايدن، الذي تسلّم زمام الحكم في العشرين من كانون الثاني الماضي، فإنّه منشغل بالقضايا الداخلية الأساسية مثل محاربة جائحة كورونا وإنعاش الإقتصاد، وهما الموضوعان اللذان يشكّلان الأولوية في اهتماماته. وإذا كانت الأمور الداخلية لها طابع الإلحاح والأولوية على جدول أعمال الرئيس بايدن، فهذا لا يعني إطلاقاً أنّ السياسة الخارجية هي خارج اهتمامات الإدارة.

 

وزير الخارجية أنطوني بلينكن وفريق عمله المؤلف من ديبلوماسيين اختصاصيين ومتمرسين في مجال عملهم، يجرون الإتصالات ويعدّون الدراسات اللازمة ويقترحون السياسات المناسبة تجاه كل منطقة وكل دولة، وفقاً للخطط التي رُسمت أثناء الحملة الإنتخابية. وبالنسبة إلى لبنان، فقد بحث وزير الخارجية الأميركي بلينكن مع نظيره الفرنسي لو دريان في الوضع، وأصدرا بياناً مشتركاً داعماً للشعب اللبناني، يدعوان فيه الى تشكيل الحكومة من دون إبطاء، وإنجاز تحقيق شفاف في تفجير مرفأ بيروت وإجراء الإصلاحات اللازمة، لتوافق الدول الصديقة والمؤسسات المالية على مساعدة لبنان.

   

أما بالنسبة الى مسألة حياد لبنان، فإنّ الإدارة الأميركية لم تعلن موقفاً واضحاً منه بعد، ولكن المعروف، أنّ سياسة الولايات المتحدة في المنطقة تركّز على المصلحة الإسرائيلية قبل كل شيء، ومن ثم على محاربة الإرهاب، وتأمين البترول لحلفاء الولايات المتحدة في الإتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية واليابان، وأي موضوع لا يؤثر سلباً على هذه الأولويات الأميركية، فالولايات المتحدة لا تعارضه.

 

فمسألة حياد لبنان ليست من أولويات الإدارة الأميركية في الوقت الحاضر، هذا مع العلم أنّ السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا قد تكون أبلغت الى حكومتها، وفق الأصول الديبلوماسية، التطورات التي حصلت أخيراً في بكركي وردّات الفعل عليها على الساحة اللبنانية، ومثل هذه الأمور يتمّ درسها وتحليلها في المكتب المختص في وزارة الخارجية الأميركية، ثم تُعَدّ الدراسة المتضمنة المواقف المقترحة تجاهها وتُرفَع بعد ذلك الى المدير المختص الذي يراجعها ومن ثم يرفعها الى مكتب الوزير الذي يحيلها بدوره الى البيت الأبيض إذا كانت من ضمن أولويات الرئاسة.

 

إنّ التطورات الحاصلة على الساحة اللبنانية في الظرف الراهن، بما فيها اقتراح الحياد للبنان وتدويل قضيته، لا تُعتبر من الأمور الملحّة التي ينبغي إحالتها الى البيت الأبيض في صورة عاجلة، بل إنّها ستأخذ الوقت اللازم للدرس في الدوائر المعنية، ولذلك من غير المتوقع أن نسمع في القريب العاجل أي موقف تجاهها من الرئيس بايدن.

 

ولكن ذلك لن يحول دون احتمال صدور بيان عام حول لبنان عن وزير الخارجية أو الناطق باسمه، ربما في وقت غير بعيد. إذ أنّ منظمات لبنانية ـ أميركية تقوم بمساعٍ حثيثة مع وزير الخارجية، طالبة منه دعم لبنان واتخاذ موقف مؤيّد للحياد، وذلك انطلاقاً من العلاقات الممتازة التي تتمتع بها بعض هذه المنظمات مع بلينكن بالذات.

 

إنّ فكرة حياد أو تحييد لبنان عن نزاعات المنطقة وفق طرح البطريرك الراعي، قد تلقى تأييداً على الساحة الأميركية، لاحتمال تفسيرها على أنّها مطالبة بتحييد لبنان عن القضية الفلسطينية، وهذا أمر يفيد إسرائيل رغم أنّه ليس وارداً في مبادرة غبطته. ولذلك، من الضروري أن يتمّ توضيح مضمون المبادرة وتفاصيلها، عبر اجتماع كما ورد سابقاً، يتمّ بنتيجته تبنّي مقترح يطالب بالحياد الفاعل للبنان وفق المفهوم الذي أوضحه مراراً الدكتور سالم، وبضمان دولي يرعاه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

   

إنّ مسألة عدم اتخاذ موقف محايد في النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والاستمرار في دعم القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، هي مسألة أساسية بالنسبة الى لبنان، ليس فقط من الناحية المبدئية والأخلاقية، بل أيضا من منطلق الواقع، حيث يوجد في لبنان مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين ينبغي أن يعودوا الى أرضهم ووطنهم، ولبنان لا يستطيع ان يستوعبهم لأسباب اقتصادية واجتماعية وديمغرافية معروفة.

 

لذلك، إنّ اقتراح «الحياد الفاعل» للبنان، في حال تبنّته كافة مكونات الشعب اللبناني، من شأنه أن يشكّل مدخلاً الى حل كثير من المشكلات السياسية التي يعاني منها لبنان، والناجمة الى حدٍ ما عن الخلافات والنزاعات داخل العالم العربي وتأثيرها المباشر على الوضع الداخلي اللبناني.