يرى كثيرون أنّ الوصفة الناجحة لتحرير الوضع اللبناني، والسماح بوصول المساعدات، تقضي بتلبية طلبات الخارج، من خلال تشكيل حكومة تحقّق الإصلاحات، مع ما يتطلبه ذلك من اختصاصيين غير حزبيين. لكن هذه الوصفة تصطدم بواقعٍ لا يزال يصرّ على أن الأحزاب هي التي تسمّي الوزراء، لأنها هي من ستمنح الثقة للحكومة، وكأنّ شيئاً لم يكن ولا وجود لأزمة ولا من يحزنون.
 

واخيرا طفح الكيل وانفجر غضب شعبي عم المناطق اللبنانية كافة، من العاصمة بيروت، الى الشمال والجنوب والساحل والجبل والبقاع، ونزل الناس الى الساحات والشوارع، وقطعت الطرقات بالاطارات المشتعلة، احتجاجا على ما آلت اليه الاوضاع المعيشية، الكباش السياسي القائم والخلاف المستحكم حول تشكيل الحكومة ساهم في الارتفاع الهستيري لسعر صرف الدولار الأميركي الذي يتصدرمشهد مسار الانهيار وأصبح لا سقف له، ومن المتوقع أن يواصل ارتفاعه إذا ما صحّت المعلومات أن هناك من دخل بقوة على سوق شراء الدولار وبأسعار خيالية، وعليه يمكن توصيف الوضع بالخطير والمأساوي، الامر الذي سيؤدي حكماً إلى انهيار البلد في وقت ليس ببعيد اذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه، وذلك على ضوء ما يصدر بين الحين والآخر من قبل بعض الوزراء في حكومة تصريف الأعمال من أخبار الشؤم والتلميح الى العتمة وزيادة أسعار المحروقات والطحين وغيرها من المواد الاستهلاكية التي اصبحت 10 أضعاف سعرها الأصلي. وما شهده يوم أمس من تهافت على المحلات والسوبرماركت بسبب الارتفاع الجنوني في سعر الدولار خير مثال على قلق اللبنانيين وخوفهم من الآتي، وهو ما لم تشهد مثيلاً له كل الدول التي عاشت ظروفا مشابهة للوضع اللبناني مثل فنزويلا والصومال واليمن وغيرها.

 

بناءً على هذا المسار الإنحداري ستستمر الأزمة المعيشية والاقتصادية في الفترة المقبلة مع غياب الحلول بعد أن تحوّلت الى أزمة سياسية عنوانها رفض كل الافكار لتشكيل الحكومة، ما يعني أن الخناق سيشتد على رقاب اللبنانيين الذين تحوّلوا الى ضحايا لهذا الرفض الذي لم تنته فصوله بعد.

 

بالتوازي يتصدر المشهد السياسي اليوم حسب صحيفة الشرق الاوسط نقلا عن مصادر أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يدرس الآن إعادة التحرك لعله يتمكن هذه المرة من تذليل العقبات التي لا تزال تؤخر ولادة الحكومة،ولفتت الصحيفة إلى أن تلويح بري بمعاودة تحركه لتعويم المبادرة الفرنسية يأتي بالتزامن مع تجميد المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم تحركه مع الأطراف المعنية بالحكومة،ويربط بري مبادرته بالحصول على ضمانات تتجاوز إعطاء الثلث الضامن لأي طرف وتشترط تأييد التيار الوطني لأنه من غير الجائز أن يترك لعون تسمية 6 وزراء من دون أن يمنح تياره السياسي الثقة للحكومة وهذا ما يصر عليه الحريري. ويبقى السؤال، هل ينجح حزب الله في مسعاه في إقناع باسيل بمنحه الثقة للحكومة، وعليه، فإن مبادرة بري في حال قرر إدراجها على طاولة المفاوضات ستصطدم حتماً بعناد عون باسيل، وأن الأخير يتصرف على أنه الآمر الناهي، إلا إذا أدرك عون أن المجتمع الدولي يدرس تزويد تحذيراته من استمرار الفراغ بجرعة يضع فيها النقاط على الحروف وتتيح له الانتقال من توجيه الإنذارات إلى فتح حوار دولي يدفع باتجاه إنقاذ لبنان اليوم قبل الغد.

 

في هذا السياق، أوساط بيت الوسط تؤكد أن الأمل ضعيف بقرب التوصل الى حل للعقدة الحكومية، ناقلة عن الرئيس المكلف سعد الحريري تمسكه الثابت والنهائي بحكومة 18 وزيرا، لا زيادة ولا نقصان، وأن الحريري اصبح بحلٍّ من اتفاقه مع رئيس الجمهورية حول 5 + 1 في حال رفض التيار الوطني الحر اعطاء الثقة للحكومة، وتصبح حصة رئيس الجمهورية 3 وزراء فقط لأن هناك قوى مسيحية أخرى يجب تمثيلها وهذا الموقف ثابت ونهائي ولا تراجع عنه، ما يعني انه لا زالت الأمور على حالها حكوميا، وليس هناك من جديد حتى الساعة.

 

بالخلاصة وفيما يعتقد البعض أنّ الدعوات الدولية ينبغي أن تحثّ المعنيين بتشكيل الحكومة على وقف سياسة الشروط والشروط المضادة، والإسراع بتأليف حكومة تكون قادرة على العمل والإنتاج، وبالتالي متحرّرة من قبضة الأحزاب، مباشرة أو مواربة، يستبعد آخرون أن يحدث أيّ تغيير، لأن ما يُراد سياسيًا من هذه الحكومة، التي من المحتمل أنّها ستكون الأخيرة في العهد العوني ، يتفوّق على كلّ الاعتبارات والحسابات الأخرى.

 

يرى كثيرون أنّ الوصفة الناجحة لتحرير الوضع اللبناني، والسماح بوصول المساعدات، تقضي بتلبية طلبات الخارج، من خلال تشكيل حكومة تحقّق الإصلاحات، مع ما  يتطلبه  ذلك من اختصاصيين غير حزبيين. لكن هذه الوصفة تصطدم بواقعٍ لا يزال يصرّ على أن الأحزاب هي التي تسمّي الوزراء، لأنها هي من ستمنح الثقة للحكومة، وكأنّ شيئاً لم يكن ولا وجود لأزمة ولا من يحزنون.