عندما تستمع إلى السيد كريم بقرادوني( رئيس حزب الكتائب اللبنانية السابق) وهو يسرُد باستفاضةٍ مشاركاته الفعلية في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر على مدى نصف قرنٍ من الزمن، لا يبقى أمامك أي مجالٍ للإستغراب والتّعجُّب من سوء الواقع الأليم الذي آلت إليه أوضاع لبنان المأساوية هذه الأيام، فقد ظهر بقرادوني أمام الإعلامية جيسيكا عازار في برنامج أربعين سؤال على قناة Mtv، لِيُخبرنا وهو مرتاح الضمير، مُفعم الأمل بعهد الرئيس عون "القوي"، والذي ما زال على قُوته رغم العراقيل "الظرفية" كوجود الوزير جبران باسيل بجانبه، وظهور وباء الكورونا، وانفجار مرفأ بيروت النووي في الرابع من شهر آب الماضي، خلاف ذلك لم يُلاحظ رجل المخابرات والمساومات والصفقات والفضائح والإرتهان للخارج، والإتفاقات الجانبية، والتي رافقت مسيرته "النضالية" في حزب الكتائب، والذي قُيّض له ذات يومٍ أن يترأّسه، ويتمكن من فصل إبن مؤسّس الكتائب رئيس الجمهورية السابق أمين الجميل من عضوية الحزب، ضيراً فيما وصلت إليه أحوال لبنان المأساوية.

 

 عندما تستمع إلى السيد كريم بقرادوني، المستشار للرئيس الراحل الياس سركيس، والمُقرّب من الرئيس الشهيد بشير الجميل، الذي دعاهُ للقيام بدوره المعهود بالتواصل مع القيادة السورية، بعد فشل اجتماع بشير الجميل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن  في نهاريا،  عندما تستمع إليه وهو يسرد مساعيه النبيلة مع القيادة العراقية لتأمين السلاح للقوات اللبنانية وجيش الجنرال عون معاً، وتستمع إلى اعترافه بإهداء رئيس جهاز الأمن والإستطلاع في القوات العسكرية السورية رستم غزالي الميدالية الذهبية الكتائبية، وكيف استطاع تأمين عودة الجنرال عون من منفاه في باريس بمساعيه "الحميدة" مع القيادة السورية بشخص الرئيس السوري بشار الأسد، وتأمين موافقة حزب الله على عودته، رغم مخاوف السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله يومها، وتطمينات بقرادوني ونصيحته للسيد نصرالله بالتفاهم مع الجنرال عون بعد عودته سالماً من منفاه، ويا لسخرية القدر، فقد جاء تفاهم مارمخايل بين حزب الله والتيار الوطني الحر عام ٢٠٠٦، تصديقاً لنبوءة بقرادوني.

 

إقرأ أيضا : علي حسن خليل يُداوي آلام العسكريّين بالنخالة.

 

 

بالفعل أيها اللبنانيون..لا تعجبوا ممّا أصاب بلدكم لبنان، طالما أنّ مُستشاراً فاعلاً لأكثر من ثلاثة أو أربعة رؤساء جمهورية سابقين، ورئيس جمهورية حالي ( عبر مجموعة السبت التي كانت تضم بالإضافة للجنرال عون بقرادوني وسليم جريصاتي وجان عزيز وفؤاد حبيب وآخرين)، لا يجد اليوم في أدوار حزب الله الإقليمية والدولية المتعددة، سوى دورهُ الحاسم في تدعيم الإستقرار الداخلي، ويدعو في سبيل ذلك إلى تفاهماتٍ داخلية بالحدود المطلوبة بينه وبين سائر الفرقاء، وخاصةً الجيش اللبناني، ويذهب إلى حدّ دعوة الجيش اللبناني إلى تقاسم مناطق النفوذ والتّواجُد بينه وبين حزب الله، فلا تعجبوا أيها اللبنانيون ممّا وصلت إليه أحوال بلدكم الكارثية اليوم، طالما أنّ شعب لبنان "العظيم" الذي كان يُخاطبهُ الجنرال عون قبل نفيه أواخر القرن العشرين، يخرج من بين ظهرانيه قادةٌ "عِظام" ككريم بقرادوني، يُناشد بالأمس الوزير السابق ملحم رياشي، أن يُشمّر عن ساعد الجدّ ليعمل على إنجاز اتفاق معراب 2، بعد نجاح اتفاق معراب1 بإيصال أقوى رئيس جمهورية في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر إلى سدة الرئاسة الأولى، والذي قاد بنجاحٍ منقطع النظير الدولة اللبنانية والشعب اللبناني الصابر المحتسب إلى دركات جهنم وبئس المصير. قال الشاعر أبو الطّيب المتنبي:

 

وإنّما النّاسُ بالملوكِ وما 

تُفلِحُ عُرْبٌ ملوكُها عجَمُ

لا أدبٌ عندهم ولا حسبٌ

ولا عهودٌ لهم ولا ذِممُ

بكُلّ أرضٍ وطِئتُها أممٌ

تُرعى بعبدٍ كأنّها غنَمُ

يستخشنُ الخزَّ حين يلمسهُ

وكان يُبرى بظُفرهِ القلمُ.